اخبار اليوم الاستعمار الجميل!

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كنت أجلس ذات يوم على مقهى فى باريس بصحبة صديق من تونس، وكان هذا الصديق عروبياً حتى النخاع. احتدم النقاش بيننا حول مفاهيم العروبة والوحدة ومقاومة الاستعمار وحول ما إذا كانت الظروف يمكن أن تسمح لحلم الوحدة العربية بالتحقق ذات يوم، عندما اقتحم حوارنا شاب من بلد خليجى كان يجلس على مقربة منا ويستمع لما نقول. دخل الشاب فى الموضوع مباشرة بحماس بالغ، ويبدو أن حديثنا أهاج مشاعره: أى وحدة وأى عروبة يا قوم؟، هل لا يزال هذا الكلام مطروحاً؟، أما زلتم تتحدثون عن الاستعمار؟.. أخذتنا المفاجأة من تدخله فى حديثنا لكنه لم يبال وانطلق: أنتم مجانين حالمون لا ترون الحياة على حقيقتها.. لقد كنا نعيش فى خيام فى الصحراء ولما تطورت حياتنا قليلاً صرنا نقطن العشش، حتى جاء المحتل الأجنبى الذى تقولون إنه الغاصب الباغى اللعين فمد يده لنا وانتشلنا من الفقر والضياع. فتح لنا المدارس والمستشفيات، علمنا أصول النظافة ومقاومة الحشرات التى كانت تعيش معنا، علمنا كيف نعتنى بصحتنا وصحة أطفالنا، أدخل عندنا نظام التطعيم الإجبارى للأطفال فأصبح أولادنا يعيشون بعدما كنا نفقد تسعين بالمائة منهم..الأهم من هذا كله أن هذا المحتل الباغى حفر آبار البترول التى لم نكن نعلم بوجودها فى أرضنا، وحتى لو علمنا لما استطعنا أن نفعل شيئاً. حفر الآبار واستخرج البترول وقام بتكريره وتصفيته، ثم قام بتحميله على مراكب وناقلات وباعه بمجهوده الشخصى ثم أعطانا الفلوس لنصير أغنياء منعمين مترفين. ستقولون إنه استغل بترولنا وأخذ جانباً منه لنفسه وضمن بجلوسه على رأس آبار النفط أن يحصل على الإمدادات التى يحتاجها وتحتاجها بلاده ومدنه.. وأقول لكم: وما المشكلة فى هذا؟.. افترض يا أخى أنه لم يفعل ذلك، افترض أننا نحن الذين قمنا بالحفر والإنتاج.. أما كنا سنصدره له طواعية أم ترانا كنا سنشربه؟.. إن هذا الذى تقولون عنه استعمار هو أجمل ما حدث لنا.. إننى لا أفهم كيف قاومتم فى مصر الاحتلال الإنجليزى ولماذا، ولا أفهم كيف قدم الجزائريون مليون شهيد من أجل إخراج الفرنسيين من أراضيهم؟.. إننا ندعو الغرب ليأتى إلى أراضينا ويأخذ ما يشاء من قواعد ليدافع عنا ويقدم أبناءه بدلاً من أبنائنا فى الحرب مع من يعادينا.. إننا لم نعتبر الوجود الإنجليزى بأرضنا احتلالا أبداً، لقد كانوا ضيوفاً أعزاء نقلوا لنا كل ما هو طيب ببلادهم، وأطلعونا عليه فنقلونا من الظلمات إلى النور.. إننا من خلالهم عرفنا السيارة والطيارة والتلفاز والبوتاجاز والثلاجة والغسالة والتليفون. إن هذا الذى تسمونه احتلالاً لم يقتل مواطناً منا عندما أتى بجيوشه، بينما الاحتلال العراقى للكويت هو الذى قتل ودمر وأحرق. إن اليوم الذى خرج فيه الإنجليز من بلادنا كان يوم حِداد، ولولا أنهم عادوا بمستشاريهم وخبرائهم لكان حالنا غير الحال.

أنهى الشاب كلامه ثم نظر إلينا ينتظر الرد. لم تخدعنا الوجاهة الظاهرية لمنطقه، فهو متهافت وأساسه فاسد ومردود عليه بسهولة، إلا أننا قررنا عدم الرد امتثالاً لقول الشاعر أحمد فؤاد نجم: «و إزاى حتفتح بتاع فى وسط ناس بتقول، بأن هذا البتاع جاب الخراب مشمول؟».. صحيح إزاى؟.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق