اخر الاخبار أينَ ينتهي هذا المسير؟

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لعلّ السؤال الأهم الذي يراودُ أيّ عربيّ: أينَ ستنتهي هذهِ المسيرةِ الثورية التي جاءت محطّةٍ أخيرة للمسيرة العربية منذ بداية القرن الماضي، على الصعد الفكرية والسياسية والاقتصادية كافة؟
سؤالٌ لابدّ من الإجابةِ عليه عن طريقِ رسمِ دروبِ خلاصٍ واضحة، تخطّها أقلامُ المفكّرين ويسلّطُ الضوءُ عليها، لتكونَ جزءاً من يومياتِ المشاهدِ العربيّ المتألم.
بدلاً من التهويمِ في التحليلات السياسيةِ التي أصبحتْ بحدّ ذاتها مصدرَ ضياعٍ، يزيدُ من تخبّطِ العربيّ كونهُ، إلى الآن، مصابٌ بداء التبعيّةِ العمياء لأيّ فكرةٍ تخرجُ من فم نخبويّ.
أصبحَ من الجليّ للقاصي والداني أنّ العربَ مستهدفون كأمّةٍ، أو على الأقل، كونهم يشغلون مساحةً جغرافية تمسكُ أطرافَ الكرةِ الأرضية، فضلاً عن ميزتها الحضارية والدينية والاقتصادية. ولا يحمل هذا الاستهداف بالضرورة المعنى التدميري، إذ لا وجود لأمةٍ تتريةٍ في ساحة الصراعِ الحالية، فأغلب الدول المتصارعة هي تركة الامبراطوريّات القديمة ذات الطابع الحضاري، بما فيها العرب ورثة الإمبراطورية الأموية، ثم العباسية في عهدها الأول الذي يعتبر آخر سلطةٍ عربيةٍ فاعلةٍ، بالمقاربة مع المقياس القومي الحديث. من بعده، خرج العربُ من دائرةِ القرار العالمي، وظلّوا محتفظين برمزيّة الإرث النبوي المتمثّل بالخلافة، حتى عندما انتقل هذا الإرث إلى الأتراك العثمانيين، لم يخلق إشكالاً لديهم، طالما أنّ هذه الرمزيّة لم تسقطْ نهائياً، وظلّوا متمسكين بها، حتى عندما ظهرت بوادر الرغبة في الانفصال عن الأتراك بتأثير المدّ القومي، كان استرداد الخلافة وإبقاؤها ضمن أطروحاتهم وثوابتهم، لكنّ هذا الانفصال تمّ مخلّفاً مباشرةً استعماراً غربياً بشكلِ الدولةِ الحديثة، لا الشكل الامبراطوري القديم، يضافُ إليهِ المدّ الشيوعي وتأثيره الحاد على القومية العربية الأولى، ذات الطابع الديني. أدى ذلك كله إلى تبلوّر الفكر القومي المناهض للاستعمار على أساسٍ عروبي، والذي أنتج، في مرحلة ما بعد الاستعمار، القومية َالاشتراكية، كالبعث والناصرية.
على الرغم من ذلك كله، ظلّتْ صدمة سقوط الخلافة مؤثرةً في الوسطِ الاجتماعيّ المتديّن، وخصوصاً النخب. وللموضوعيّة، لم تستطعْ هذه الصدمة الفكاكَ منها، حتى الفئات الشعبية ذات الطابع القوميّ الاشتراكي، وذلكَ بسبب ثبوتية الموروث الديني المتمثّل في القرآنِ الكريم والسنة النبويّة المحقّقة، وسلامةِ هذا الموروث من التحريف اللفظي. وقد أدى ذلك إلى ظهور ما اصطلح عليه بالإسلامِ السياسي، على شكل حركات فكرية دينية، تتطلّع إلى الريادة السياسية، ما أدخلها في صراعٍ مرير مع الأنظمة القوميّة المتطرفة. هذا الصراع الذي أكسبَ الحركات الإسلاميّة تعاطفاً شعبيّاً، وخصوصاً بعدَ نكسات القوميّين السياسية وفسادهم الاقتصادي وقمعهم الحريّات بشكلٍ عام، يُضافُ إلى ذلك بقاء الخليج العربي سليماً من الهيمنة الاشتراكية القومية، وخصوصاً السعودية، لتأتي بعد ذلكَ حربُ الخليج الثانية كاشفةً حجم الأزمة الهوياتيّة للقوميين، ولم يكن المغرب العربيّ في تونس والجزائر أحسنَ حالاً، إذ أنّ ثقل الهيمنة الاستعمارية عليه، وتأخر استقلال بلاده، خلّفَا أنظمةً جنرالات أشدّ إفراطاً في القمعِ الديني والفكري من المشرقِ العربيّ، ما شكل ردّة فعلٍ دينية، ألجأتْ حركاتها إلى المواجهة المسلّحة مع السلطة، كما في الجزائر. وبالغزو الأميركي للعراقِ، أيقنَ العربيّ بعقمِ الفكر القومي بصورتهِ السابقة، من دونَ أنْ يتبلور لديه بديلٌ واضح، في ظلّ تصاعد الهيمنة العالمية لمصطلح الإرهاب بعد أحداث "11 سبتمبر"، والذي وضعَ كلّ ما هو إسلامي في عينِ الاتهام الشعبي غير الفاحص.
بهذا الشكل، وصل العربيّ منهكاً إلى مرحلة الربيعِ العربيّ، في غربةِ نفسية تحاصرها العولمة وتردّي الوضع الاقتصادي والفشل القومي وغياب التنوير الديني، فانفجرت الثورات بعفويتها مفرغة احتقان العقود الماضية كلّها باحثة عن ديمقراطيّة نجحتْ، إلى حدّ ما، في ترسيخ أقدامها في بادئ الأمر، ومن الطبيعي أنْ يكون الإسلام السياسي البديل الشعبي في الخيار الديمقراطي، نظراً لصراعه المرير مع الأنظمة الساقطة، وتوّج ذلك بنجاحه الديمقراطي في مصر، كأوّل تجربة سياسية عربية، يكون للشعب القرار الفصل فيها، وكاد هذا الأمر يرسو بالثورات على برّ الأمان نظراً لأهمية مصر على كافة الصعد إلا أنّ إحساس "الإخوان المسلمين" غير الحذر، بانتهاء الأمر على ما أنتجته الديمقراطية الوليدة، إضافة إلى ضعف الحسابات السياسية للدول العربية والإقليمية الداعمة للثورات، أدّى إلى الانقلاب الكارثي في مصر، وما أنتجَ عنه من تغيّر المسيرة الثورية في البلدان الأخرى، وتسرّب اليأس إلى نفوس الشعوب العربية الثائرة، بسبب إحساسهم المضني بالنكبة الديمقراطية، فسارعت بقايا الأنظمة السابقة إلى تجديد دروها على شكل ثوراتٍ مضادةٍ تركت الثورة السوريّة وحدها في مواجهة النظام الدموي الذي استغلّ فترة الارتداد العربي للثورات، ليدوّل الجغرافيا السورية عن طريقِ تسليم سورية الكامل لروسيا وإيران.
بهذهِ الصورة، وصلتْ الثورات العربية إلى طريقٍ وعرٍ، حوّلها من ثورات ضد أنظمةٍ إلى صراع من أجل البقاء واسترداد الهويّة التي ضاعت بين مخالب الفقر والتطرّف والإلحاد وخروج أهم البلاد العربية، كسورية واليمن والعراق وفلسطين، عن أولى ضروريات الحياة ضمن صراعٍ ليسَ بعيداً أن يودي بنا الانقراضِ التام بلداً تلو الآخر، ما لم تكن هناك خطوات عربية واضحة على كل الصعد، تحافظ على ما تبقى، وتنقذ ما يمكن إنقاذه من أرضٍ تتآكل أطرافها، ونحن غافلون عمّا يُحاطً بنا، وعن عللنا، وننشغلُ بتصويب النظر إلى البعيد، حيث البيت الأبيض نترقّب ما تسفر عنه الانتخابات الأميركية.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق