اخر الاخبار يربح السيسي، يخسر السيسي

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة
ما الذي كان يعوّل عليه رئيس الانقلاب العسكري في مصر، عبد الفتاح السيسي، حين وجه مندوبه إلى جلسة مجلس الأمن، أخيراً، الخاصة بسورية، للتصويت لصالح مشروع القرار الفرنسي والتصويت لصالح مشروع القرار الروسي، المناقض له، في الجلسة عينها؟ قد لا نملك الإجابة الأكيدة، لكن الحادثة تؤكد المؤكد الدائم، وهو أن الرجل لم يعد يعرف، إلى أي برٍّ يوجه مراكبه العالقة في بحار الدول الأخرى. لا بد أنه فقد البوصلة وأسباب التوازن، فيسعى إلى إرضاء طرفٍ ما، لكنه لا يعلم أنه بذلك يغضب أطرافاً. علاوة على أن رضا روسيا الذي يبدو أنه يسعى إليه يثبت أن الرجل لم يرَ محاسن رضاها، وما جلبه للسوريين من دمار فاحتلال.
في السنوات التي تلت الانقلاب على الرئيس محمد مرسي ظهر أن العسكر يفتقدون أسس التعامل السياسي فيما يخص العلاقات الدولية. وثبت أن السياسة المصرية يغلب عليها الارتجال، حيث تفتقد الثوابت الضرورية لإرساء علاقات واضحة التوجه، أقلها مع دول الخليج التي لم تفوّت مناسبةً، إلا وأسبغت فيها الدعم على حكومة النظام المصري. وعلى الرغم من ذلك، بدا السيسي جاحداً، فالتسجيلات الصوتية المسربة لمكالماته الهاتفية، وما أظهرته من استغلاله هذه الدول وابتزازها للحصول على أموالها، التي وصفها بأنها "زي الرز"، كادت تطيح علاقاته معها، لولا التعقل الخليجي الذي لم يتأثر استمرار تقديمه الدعم بامتناع مصر عن المشاركة في التحالف العربي في اليمن.
من هنا، ربما جاء تصويت المندوب المصري لصالح القرار الفرنسي والتصويت لصالح القرار الروسي جزافاً، من دون معرفة تداعيات فعله هذا على علاقات بلاده مع دول الخليج، بل من دون معرفة تداعياته على حياة المدنيين في مدينة حلب المنكوبة بالقصف الروسي. فانطلاقاً من الإجماع العربي، وضعت دول الخليج ثقلها، وآمالها، في إقرار المشروع الفرنسي الذي كان أهم بنوده وقف إطلاق النار في حلب، وحظر تحليق الطيران الحربي فوقها، وإيصال المساعدات الإنسانية للمحاصرين والمتضرّرين من القصف. أو ربما تقصّد النظام ذلك، فأراد التقرّب من روسيا، ورأى، في علاقاته معها، ربحاً يغنيه عن "الرز" الخليجي، وهو الذي يبدو أنه ذهب إلى أبعد الحدود في الهيام بروسيا، إلى درجة الكلام عن تأجيرها منطقةً، ستنشئ عليها قاعدةً عسكريةً بحرية وجوية في مدينة سيدي براني، على غرار قاعدتيها في طرطوس وحميميم.
لكن، هل بهذه البهلوانية تدار السياسة في بلدٍ متأزمٍ، هو أحوج ما يكون إلى التضامن مع
"لا تشبه السياسة المصرية سوى المقامرة التي يقدم عليها أناسٌ وهم جاهلون نتائجها"
محيطه، لاستمرار الود. وبالتالي، ضمان تدفق الدعم؟ يبدو أن قِصر النظر خذل المسؤولين المصريين، فجاء الرد سريعاً، بوقف العربية السعودية إمداد مصر بالنفط الذي كان يصل إليها وفق شروط ميسرةٍ تراعي أوضاعها، وتعكس قوة علاقات البلدين. لكن خسارة السيسي ستتعدى إمدادات النفط، لا بد أن نظامه سيُحرم من المساعدات الخليجية التي يقال إنها تعدّت الخمسين مليار دولار أميركي منذ سنة 2011. أما وقد وردت أنباء عن استعداد روسيا وإيران وفنزويلا تعويض مصر عن النفط السعودي، ووفق التسهيلات عينها، فمن غير المؤكد أن هذه الدول المتأزمة قادرةٌ على سد ثغرة وقف المساعدات المالية، أو حتى التعويض عن أشكال الدعم الأخرى، غير المرئية، ومنها التجارة البينية، أو حتى العمالة المصرية في دول الخليج، إن أصاب هذه بعض التأثر.
ولكن، ليست هذه الحالة، وهذه الخسارة، أولى تداعيات السياسة المصرية المتخبطة، فقبل أكثر من سنة، وقَّع السيسي وثيقة إعلان مبادئ، تتنازل مصر بموجبها عن حقوقها، أي حصصها، من مياه نهر النيل لصالح إثيوبيا، في إطار مشروع سد النهضة الذي تبنيه الأخيرة، الأمر الذي يحرم البلاد من موارد مائية، تعد بمثابة شريان حياة الملايين، بل هي حق للأجيال القادمة، تنازل عنها السيسي بجرّة قلم غير مسؤولة، وبدأت البلاد تدفع ثمنها جفافاً في مناطق كثيرة حول حوض النهر.
لدى سقوط الطائرة الروسية أواخر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي قرب شرم الشيخ، فشل النظام بتزويد الروس أو الجهات الدولية التي كانت تنتظر أجوبةً على أسئلةٍ طُرحت عند وقوع الحادثة، بأي معطياتٍ تساعد في معرفة أسباب سقوطها. وإزاء هذا الفشل، عزا الأسباب إلى المؤامرة على مصر، من دون إظهار واحدةٍ من علائم هذه المؤامرة وأسبابها. هذه المقاربة دليل على غياب أي فكر يعتمد النقد الذاتي ومراجعة الإجراءات والسياسات الحكومية وسيلةً لاكتشاف الأخطاء وتجاوزها، كما تفعل أي حكومةٍ وقعت فيما وقعت الحكومية المصرية فيه. كما أن استدعاء المؤامرة هو بمثابة وضع الرأس في الرمل، حيث تتمتع مصر بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، المتهمة الدائمة بحياكة المؤامرات، علاوة على أن علاقتها مع إسرائيل لم تشهد درجة الهناءة التي تشهدها هذه الأيام.
لا تشبه السياسة المصرية سوى عملية المقامرة التي يقدم عليها أناسٌ، وهم جاهلون نتائجها. لكن، في موضوع القرارات السياسية، النتائج معروفة للمتابع العادي، فكيف بالمختصين وواضعي السياسات، إن كان ثمة أحدٌ من هؤلاء بين طاقم الحكم في مصر. أما إن كان ثمة أحد منهم هناك، فلابد أنهم يجهلون أن ما يعتبرونه ربحاً خسارة مؤجلة، تتراكم فوق خسائر، لم يتوقفوا عن حصادها منذ سطوهم على حكم البلاد.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق