اخبار اليوم ميخائيل نعيمة فى حضرة المسيح

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أن تخطو إلى علم ميخائيل نعيمة يعنى أن تخبر مذاقات جديدة لفلسفات عديدة، وتشتم أريج الفن فى صور فريدة، وسوف تخرج لا كما دخلت، بل لا تعود كما كنت أبدا.

فهو لون جديد من التصوف والروحانية شديدة العمق والتألق، وشاعرية لم تشدنى مثلها على كثرة ما قرأت ودرست.

ففى أدب ميخائيل نعيمة عالم من الفكر والشعر والفن، وقيم ومعانٍ إنسانية وتأمل عميق فى الكون وخالقه، وقد عشت زمنا مع تأملاته ونظراته ورؤاه خصوصا فى كتبه: سبعون (ثلاثة أجزاء)، أيوب، مذكرات الأرقش، مرداد، اليوم الأخير، وغيرها مما لمست فيها من وجدانيات، وهو من علمنى فلسفة أخرى- وأنا التى درست الفلسفة فى الجامعة وتخرجت فى قسمها- ورأيت معه عالما من الإيمان لم أخبر له مذاقا من قبل.

فنعيمة كان أول همه فى أول عهده بالكتابة (أن أعلنها حربا شعواء على النفاق فى الأدب، وأن أصر على الصدق بإخلاص فيما ننظم وننثر قبل أن أصر على رنة القافية وبريق الكلمة ومتانة العبارة، ولعلى حتى فى هذه السن الطرية كنت أشعر بشىء من ذلك)، وأشرد مع كلمات نعيمة الذى سجل ذكرياته فى مرحلة من صباه لإكمال تعليمه فى المدرسة الروسية بالناصرة فى فلسطين، أرض الميعاد التى تدر لبنا وعسلا: (لا تنس يا ميخائيل أنك- هنا- فى حضرة المسيح، ولكم وجدتنى وأنا فى رحلة أنسلخ بغتة عن نفسى وعن رفاقى، إذ أتخيل المسيح وتلاميذه ماشين فى الطريق الذى نمشى فيه، أو أتخيله جالسا وحده وفى حالة انخطاف روحى تحت تلك الشجرة أو هاتيك الصخرة).

هكذا يزداد الشعور الدينى العميق الذى حمله من سفح صنين عمقا فى الناصرة، وفى أرجاء فلسطين، حيث السحر والبركة ومن بعض حديثه عن المكان أستوحى الأوصاف العديدة، حيث فى الناصرة عين ماء يطلقون عليها «عين العذراء»، ويقولون إنها العين التى جاءت مريم تستقى منها، عندما ظهر لها الملاك، ليبشرها بأنها ستغدو أما للمسيح، وها أنا حيال «جبل الطور» على مسيرة ساعتين من الناصرة، حيث يغلب الشكل المستدير على هيئة الجبل، تكسوه الخضرة كرداء من قطيفة سندسية، وتكتنفه العزلة كمن قبع يناجى خالق الكون، وتضفى السكينة عليه روعة ليست لأى من الجبال التى تفوقه قامة وضخامة.

ويدخل (الشاب) ميخائيل نعيمة عالما جديدا حين اختارته مدرسته لمتابعة الدرس فى روسيا بعد انتهاء امتحاناته، وها هو الحلم قد تحقق وكان حدثا عظيما فى حياته.

ففى السمنار الروحى، ثم فى الأكاديمية الروحية بأوكرانيا بروسيا تلقى ميخائيل نعيمة دراسته اللاهوتية العالية من خلال منحة خصصتها الجمعية الفلسطينية لطلاب دار المعلمين بالناصرة لمدة ست سنوات، ويقول عن تلك الفترة: (إننى اليوم فى عالم يعج بشتى المغريات، وبى نهم هائل إلى التهام كل جديد فيه وجميل، أريد أن أعزف الكمان أو القيثار أو البلاليكا، أريد أن أفهم الموسيقى كما يفعلون، وأن أنشد مثلهم، وأنظم الشعر وأحفظه وأكتب القصة، بل أؤلف المسرحية، وأتقن فن التمثيل، بعد أن زرت المسرح فى أبولتافا، وسمعت ورأيت لأول مرة كيف يكون التمثيل والفن، وماذا أقول فى الأوبرا وفى الباليه وفى حرية التخالط المطلق بين الجنسين، إننى وقد بهرتنى هذه السعة فى حياة الفكر والقلب والجسد فتكشفت لى بشاعة الضائقة التى تعانيها بلادى، أصبحت أشعر كمن يحاول اغتراف البحر بحفنة).

وفى هذه الفترة تأثر ميخائيل نعيمة تأثرا بالغا بالأدب الروسى وبالشعر خصوصا، وبدأ أولى خطواته فى هذا الطريق (سأمضى فى الطريق الذى ما برح يغرينى منذ صباى المبكر، إنه طريق الأدب، وإنى له بكليتى)، وفى نيويورك كانت بداية معرفته برفيق دربه جبران خليل جبران، الذى كان نقطة تحول فى حياته.

لقد أطربت كلمات جبران مسامع ميخائيل نعيمة لأن قلمه- كما يقول- «يعرف قيمة الحرف ولا يمتهنها ويعرف جمال اللون والرنة والمعنى فى الكلمة فلا يفحش بها ويعرف أن للقلب أوتاره وللفكر أوتاره، وهذه ما لم تكن موقعة أحسن التوقيع وبيد فنان مخلص لفنه لكان كل ما يصدر عنها نشازا فى نشاز».

وراح ميخائيل يكتب مقالا مستفيضا عنوانه «فجر الأمل بعد ليلة اليأس»، نفث فيه كل ما فى صدره من نقمة وحقد على الأدب المحنط، أدب التنميق والتقليد والتدجيل، أدب المجاملات والمناسبات والبهلوانيات، أدب القشور التى لا غذاء فيها لأى عقل أو قلب ولا صلة رحم بينها وبين حياة نعيشها كل يوم.

وكان ميخائيل نعيمة يكتب وبوده لو تحول القلم فى يده إلى بركان، ولو تخرج الكلمات من بين شفتيه حمما تجرف وتحرق كل بال ودميم ومخاتل فى الأدب، لعل أقلاما جديدة تقيم وزنا للصدق والجمال والقيم الإنسانية الرفيعة تنهض أو تفور.

ولقد انعتق نعيمة من المادية، بل لعله لم يؤمن بما يسمى مادة، ولعل فى هذا تفسيرا لفلسفته التى تتلخص فى «وحدة الوجود»، وتعنى الفناء المطلق فى الله، ذلك الفناء الذى هو أقصى درجات المحبة.

والفن عند ميخائيل نعيمة هو الذى يؤدى إلى مساعدة الإنسان على كشف ذاته، وكشف الله المطلق فى ذاته، وتنمية إرادة الوصول إليه، أما الفن الذى لا يهدف إلا إلى إبراز الجمال الخارجى المحسوس فهو زائف وباطل، ويرى نعيمة تطبيقا تاريخيا لكلامه أن أهرامات الجيزة فى مصر هى المثال الأعظم للفن الحقيقى، حيث يذهب الإنسان أبعد من الإنسان، وحيث تصبح الجدران الرمز والأداة.

هذا بعض الفن الحقيقى الجدير بالاحترام، لأنه التزم بحقيقة الإنسان وهدفه. فالفن للفن إذن قاعدة تبعد الفن عن أن يكون هادفا للإنسان، والفن الذى لا يجمل حياة صاحبه وحياة الناس ليس فنا جميلا، والجمال- فى رأى نعيمة- لا يعزل عن المحبة، وأنت متى اتسع نطاق محبتك اتسع نطاق الجمال فى حياتك، لأنك لا تستطيع أن ترى قباحة فيما تحب.

ويرحل صديقه جبران خليل جبران، وهو الذى رافقه فى مرضه، وقضى خمس ساعات وقت احتضاره، كأنها خمسة دهور، وأطبق عينيه بيديه، عندما لفظ آخر أنفاسه، من دون أن يبتل له جفن، وهو القائل إن الاحتضار محض ولادة جديدة، وإن الموت مرحلة من مراحل الحياة، لقد خُيل إليه فى تلك اللحظات أن روح رفيقه وروحه وأرواح كل من حوله، بل وأرواح الناس فى جميع أنحاء الأرض- الأحياء منهم والأموات- كانت تطلب الرحمة، وممن تطلبها؟ من الله روح الكون.

لقد عايش نعيمة رفيقه جبران أكثر من خمسة عشر عاما، خبر خلالها طباعه ونزواته، وتغلغل فى صميم روحه، فكان هناك تقارب بينهما فى الفكر والذوق والأدب، وقد ختم ميخائيل نعيمه كتابه «النبى»- الذى كتبه عن رفيق الدرب- بفصل بين فيه أن حياة الإنسان على الأرض- كائنا من كان- ليست سوى غفلة يكتنفها ضباب الموت، وأن أجمل ما فيها حلم يخترق ذلك الضباب إلى يقظة الحياة المثلى، ويرفع الإنسان إلى ما فوق الخير والشر إلى الله.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق