اخبار اليوم عشرة عيوب للتفكير من واقع «ندوات» مصرية

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

تابعت بيقظة وإمعان كثيرا من المناقشات والمحاورات والمداورات والسجالات التى تجرى فى ندوات الرأى والفكر بين أهل الخصوص والعموم، من منتجى المعارف ومتابعيها، أو بين المشتغلين فيها فى وجه المنشغلين بها، بل حتى فى الحلقات النقاشية الضيقة، وورش العمل، وسينارات المختصين فى علوم إنسانية شتى، فإذا بى أسجل مع الوقت عدة عيوب فى التفكير، لم تخل منها فعالية مما ذكرت، حتى وجدت نفسى كلما بدأ أحدهم فى الكلام، أحيله سريعا إلى واحدة من تلك العيوب، اللهم إلا عددا قليلا، ينجو بنفسه من الوقوع فى هذه المزالق التى يجب ألا تصم الباحثين والخبراء، فضلا عن عموم الناس، ممن يحرصون على التفكير السليم.

ويمكن استعراض هذه العيوب فى النقاط التالية، وهى بالطبع قابلة للحذف والإضافة، وقد تصلح فى إطار تحليل وتفسير أنماط التفكير الثلاثة «الدائرى» و«الخطى» و«الشبكى»:

1 ـ الأدلجة: وهذه آفة كبرى، إذ يتمترس كل مناقش عند الأيديولوجية التى يعتنقها، متعصبا لها، ويبدأ فى قصف الآخرين بالكلمات، ساعيا بكل ما أوتى من قوة لأن ينتصر لرأيه ولو كان خاطئا، ولموقف ولو كان معوجا.

فالنقاش العلمى يجب أن يبدأ بتحييد كل هذه الحمولات العاطفية والذهنية، أو تقليل آثارها الضارة إلى أدنى حد ممكن، أو على الأقل تحويل الأطر التى ينطلق منها المتناقشون إلى أسباب للاختلاف المقبول والطوعى والطبيعى، الذى يغذى تعدد وجهات النظر، ويعمق التنوع الخلاق، فهذا يؤدى إلى انفتاح العقول والقلوب على بعضها البعض.

أما الذى يجرى فى الواقع، فهو أن كل أيديولوجية تتحول إلى جدار يختبئ خلفه المتكلم، ولا يراه السامعون، الذين هم أيضا مختبئون خلف جدران أخرى. ولأن كلا منهم يلوى عنق الحقيقة أو يطوع الأفكار لتخدم أيديولوجيته، كأنه يقرأ ما بداخله هو، يخرج المتناقشون كما دخلوا، لم يضع كل منهم ما يعتقد فى وثوقيته وطهره موضع مساءلة، ولا يُحدِّث ما لديه من أفكار بالحذف أو الإضافة أو التطوير والتحسين، بل قد يتباهى بأنه قد انتصر لنفسه وما يعتنقه، ونال كل النيل مما لدى الآخرين، والذى هو فى نظره لا يستحق أن يتبناه أو يعتنقه أحد.

2 ـ ندرة الأفكار الخلاقة: فكثير مما يطرح من آراء وأفكار لا جديد فيه، ولا بريق له، إنما هو فى الغالب الأعم مأخوذ مما يتم تداوله بانتظام حتى صار ممجوجا. بل إن الفكرة الخلاقة قد لا تلقى هوى عن أغلب السامعين أحيانا، وكأن التجديد عيبا، أو أو خطرا، ولأنهم ألفوا نوعا من التفكير التقليدى، واستراحوا له، ورتبوا عليه مصالحهم، ومن ثم يتم تجنيبها، بدلا من أن يتفاعل الحاضرون معها بما يزيدها عمقا وبريقا وفائدة.

3 ـ الركود: فالفكرة تُبدَى، أو تُفرض الفرضية، أو يُطرح السؤال، ويكون مقصودا أن يتقدم نقاشها إلى الأمام، بتحليلها عميقا، وعرض مختلف جوانبها، ما ظهر منها وما بطن، بغية فهمها من أبعادها كافة، لكن كثيرا من المتكلمين يخذلون هذا الهدف، الذى يرومه التفكير العلمى، فيقفون عند نقطة فرعية، ويعيدون ويزيدون فيها، فيتوقف النقاش مكانه، ويمر الوقت دون أن يتحرك إلى الهدف منه.

ويحدث الركود هذا فى الغالب الأعم، لغياب التراكم، والوقوع فى فخ التفكير الدائرى، إذ لا يأخذ بعض المتداخلين أو المناقشين فى اعتبارهم ما قاله من سبقوهم إلى إبداء الرأى، فينطلقون منه، أو يبنون عليه، بل هم فى الحقيقة يكررونه بألفاظ أخرى، ويحسبون أنهم يأتون بجديد، ويتصرفون هنا كأنهم فى عملية استطلاع رأى، أو انتخاب شخص أو شىء، حيث يكون التكرار أمرا طبيعيا.

ويحدث الركود بسبب الجدل العقيم، الذى يتقنه بعض النرجسيين المعجبين بذواتهم كأنه غاية فى حد ذاته، مع أنه لا طائل من ورائه سوى إضاعة الوقت والجهد وتشتيت الانتباه، وزيادة الأحقاد والإحن.

4 ـ الشفاهية: وهى ليست عيبا فى حد ذاتها، بل لها وظيفتها وطرائقها وفوائدها، لكن قد تكون هذه الفائدة فى موضع آخر غير بعض المناقشات، التى لا يحرص حاضروها أن يُدوِّنوا ملاحظاتهم على ما يسمعونه، فإن أتى دورهم لعرض ملاحظاتهم، يكون كل شىء بات واضحا أمامهم، فيزيد تركيزهم على الموضوع، ويتسم تعليقهم بالشمول، فتعلو نسبة الفائدة المرجوة منه. فهؤلاء يعلقون، غالبا، من الذاكرة، فيقعون فى كل عيوبها، ومنها الاختزال والإزاحة والتشتت. وقد يكون هذا راجعا إلى كسلهم الشديد، أو إلى غياب الشغف بالعلم، الذى يخلق جدية فى التعامل مع ما يطرح، والتفكير فيه، ونقده.

5 ـ إساءة فهم ما قيل: فأحيانا يكون المتحدث قد قصد معنى أراد طرحه، أو رسالة سعى إلى إبلاغها، فيجد من يناقشه فيها قد حمل كلامه على غير ما يريد، وفهمه فهما انتقائيا، ووفق ما لديه هو من تصورات مسبقة، أو لم تسعفه قدراته على بلوغ أعماق ما يطرح، وإدراك مراميه.

6 ـ الانحراف عن الجوهر: حيث يخرج البعض عن القضية الرئيسية، ويشردون فى دهاليز فرعية، بل يخرجون منها بعيدا عن العنوان أو الموضوع محل النقاش، إلى أمور أخرى، قد تكون على النقيض تماما مما يراد بحثه، أو تعميق النقاش فيه. وقد يكون هذا عائدا إلى عيب فى التفكير أو التركيز أو للإهمال وعدم الاستعناء، وقد يعزى إلى الخوف من طرح الرأى بفعل قهر سياسى أو إدارى أو نفسى.

7 ـ الاستعراض: فهناك من يستغل النقاش فى استعراض مهاراته اللفظية، أو حصيلته من المعلومات أو الأفكار السطحية، فيستعمل اللغة لا لإيصال رأى يصب فى جوهر الموضوع، إنما كمحسنات بديعية، بعضها يكون قد صار مهجورا فى بطن القواميس العتيقة. ويهدف المتكلم من هذا إلى لفت الانتباه لألفاظه فى حد ذاتها، وليس إلى المنطق الذى يتحدث به، والبرهان الذى يتبعه. وهناك من يكون لديه معلومات متناثرة تخص الموضوع محل النقاش، فيحرص على أن يقضى كل وقته فى عرض تلك المعلومات، رغم أن بعضها قد لا يكون مهما، ولا يفيد فى أن يتقدم النقاش إلى الأمام.

8 ـ الشكاية: فهناك من يستغل وجود حلقة للنقاش أو ندوة أو مؤتمر علمى ليشكو إلى الحاضرين مواجعه، أو يذكر مشاكله، حتى لو كان ليس بها ما يمت بصلة للموضوع الذى التأم الناس من أجله، وفى هذا خصم من الهدف الذى يجرى إليه النقاش حتى يبلغه. وقد يكون هذا راجعا إلى عدم الدراية بمنطق «لكل مقام مقال»، أو لرغبة فى البوح أمام الجميع، أو لمحاولة إشراكهم فى إيجاد حل للشاكى أو تعزيته والتسرية عنه، أو لأنانية فى طبعه، لأنه يتوهم أن الكل يجب أن يدوروا حول ما يعتبرها مشكلات ومعضلات فى حياته.

9 ـ التناقض: فهناك من يبدأ كلامه بموقف أو رأى، ثم يستطرد فى الحديث، لنكتشف مع توالى الكلمات غياب أى انسجام فى رؤيته، بل إن آخرها يتناقض تماما مع أولها. ومن هؤلاء من يتواصل بعينيه مع عيون متابعيه ووجوههم، فإن وجدها قد اكتست برفض ما يقوله أو إبداء الامتعاض منه، يقوم بتغيير رأيه تلقائيا، حتى يحظى بالقبول والرضاء لدى الجمهور. ومنهم الدوجمائيون الذين يدورون حول أنفسهم، ويستغرقون وقتا طويلا فى الثرثرة بلا مسارات تضبط ما يفكرون فيه، وينطقون به. ومنهم المدلسون الذين يتوخون رغبة الناس وليس مقتضيات العلم. ومنهم أيضا الذين يفتقدون إلى الشجاعة العلمية، فإن أتتهم لحظة سرعان ما يبددونها خوفا من أن تثير عليهم غضب الحاضرين. ومنهم الذين تتبدل مصالحهم بتبدل مواقعهم، فيقولون الكلام وعكسه. ومنهم من يعمدون إلى التمويه والتضليل حتى لا يمسكوا فى موقف محدد.

10 ـ الثرثرة: فكثيرون يقولون فكرتهم الأساسية مركزة فى عبارات قليلة، ويصل معناها إلى آذان المنصتين إليهم، ويدرك هؤلاء المتكلمون أن سامعيهم قد فهموا ما يريدونه، ومع هذا يواصلون الكلام، دون أن يضيفوا شيئا إلى ما قالوه فى البداية، بل يسقط بعضهم فى مزلق تفسير أو تأويل ما قال، وكأن السامعين لا عقل لهم ولا فهم كى يفسروا هم ما سمعوه، وبعضه يكون بالأساس ليس فى حاجة إلى تفسير أو تأويل أو إيضاح . وهؤلاء يتوهمون أن أهمية المتحدث مرتبطة طرديا بكثرة كلامه، وليست بقيمة وعمق وعلمية هذا الكلام، وبعضهم يعتقد أن شغله أطول وقت بين المتحدثين يضفى عليه أهمية، مع أنه لا يستحقها.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق