اخبار اليوم العرض الذى رفضته مصر بغباء

0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة

فجأة تذكرت وزارة الرى، ومن بعدها وزارة الإسكان، أن الفقر المائى يطرق أبواب مصر بأيادٍ غليظة، طرقة من إثيوبيا بسدها الذى تبنيه دون مراعاة لأى اتفاق أو حقوق تاريخية، وطرقة من السودان، التى تؤيد جارتها الجنوبية على حساب مصالحنا، وطرقات عديدة أكثر عنفاً منا نحن المصريين بثقافتنا فى التعامل مع المياه، التى ننفق منها إنفاق مَن لا يخشى السد، ونتفنن فى إهدارها، رغم شبح الأزمة الذى يطاردنا منذ خمس سنوات، ورغم أن ديننا يعلمنا «الاقتصاد ولو كنا على نهر جار»، فإننا نفقد عشرات المليارات من الأمتار المكعبة فى الرى بالغمر، وغسل السيارات، ورش الشوارع، ورى الحدائق وملاعب الجولف، ولا يهتز لنا ضمير ونحن نترك الصنابير تالفة تتساقط منها قطرات المياه دوماً، أو مفتوحة أثناء الحلاقة وغسل الأسنان، أو انتظاراً لتسخينها، ناهيك عن «شدة السيفون»، التى تستهلك 9 لترات فى المرة.

هذه ثقافتنا كشعب مهمل بطبعه، فهل يمكن أن يستجيب لإعلانات تليفزيونية تافهة مثل حملة «إنقاذ النيل» التى تكلفت ملايين الجنيهات، أو إرشادات على أغلفة الكتب المدرسية، وهل يمكن أن يصدق إعلانات حكومة، هى نفسها مصدر الإهدار والتبذير بإهمالها وتقاعسها عن الصيانة والإصلاح، فإهدار المياه ليس فقط سلوك مواطنين، بل تشارك الحكومة بنسبة الضِّعف، بسبب البنية التحتية الفقيرة، فأغلب مواسير المياه متهالكة، وتحتاج إحلالاً وتجديداً يتكلف مليارات الجنيهات، وجزء كبير من المواسير متصل بالمجارى، أى أن هناك كوارث صحية أيضاً، وهذه البنية المتهالكة تتسبب وحدها فى فقد ما لا يقل عن 50% من المياه الصالحة للشرب، والبالغة 30 مليون متر مكعب يومياً، لكن الدولة تعترف بأن نسبة الفاقد 35% فقط- حسب موقع الشركة القابضة للمياه والصرف الصحى- وكأن هذه النسبة لا تشكل أزمة، ومع ذلك رفضت الحكومة بغباء شديد عرضاً شديد الكرم من فرنسا لإنهاء هذه الأزمة للأبد.

العرض ظهر للنور خلال زيارة الرئيس الفرنسى، فرانسوا أولاند، للقاهرة، فى إبريل الماضى، إذ كان من بين البروتوكولات التى وقَّعها مع الرئيس عبدالفتاح السيسى «مشروع المساعدة على ترشيد الفاقد من المياه باستخدام تكنولوجيا جديدة» تقدمها إحدى الشركات الفرنسية، أعتقد أنها «أترون»، بمنحة 120 مليون يورو، لتحسين شبكة المياه عبر صيانة وإصلاح وإحلال المواسير، وتركيب عدادات ذكية تبعث رسائل فور حدوث أى تسرب وتحدد مكانه وحجمه، فتتحرك أجهزة الصيانة بسرعة لإصلاحه، وصولاً إلى الهدف الأكبر، وهو تقليل الفاقد إلى صفر.

وكالعادة، هللت الصحف والفضائيات بالاتفاقية التى ستنهى إهدار المياه، ولكن عند التنفيذ ظهرت أغبى بيروقراطية عرفتها الأرض، وهى البيروقراطية المصرية، إذ طلبت الشركة الفرنسية تحديد مكان لتطبيق التجربة وكشف عيوبها ومزاياها قبل تعميمها، فتم الاتفاق على منطقة شبرا الخيمة، باعتبارها الدليل الوحيد على تجذر وتأصل الخلل فى مصر على جميع المستويات الجغرافى والبشرى والمرورى والسكنى، فطلبت الشركة خرائط المواسير والمحابس ومخارج المحطات لتبدأ العمل، وهنا تجلى الحس الأمنى والمخابراتى للشركة القابضة للمياه: «خرائط المواسير أمن قومى»، وانتظرت «القابضة» موافقة وزارة الإسكان، فارتعشت الأخيرة، وأحالت الأمر إلى مجلس الوزراء، فسيطر عليه الذعر هو الآخر، وانتظر توجيهاً رئاسياً بالكشف، وبينما انشغلنا بتشكيل لجنة داخل مجموعة عمل، وإعداد مذكرة رداً على أخرى، انتهت العاصمة الأردنية عمان، الشهر الماضى، من تنفيذ المشروع الفرنسى الذى قُدم إليها فى نفس توقيت العرض المصرى لكن بقيمة أقل، هى 20 مليون يورو، واحتفلت بوصول نسبة الفاقد فى عمان إلى صفر، دون أن تلجأ إلى إعلان تافه و«سئيل» يقول: «بالترشيد.. النيل يكفى والخير يزيد».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق