اخبار اليوم هل تأكُل نفسَها عِند الشِدّة؟

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

فى ظهيرة يوم الاثنين من هذا الأسبوع، أعلنت لجنة المحكمين بمعهد كارولبنسكا السويدى للأبحاث الطبية مقر الجمعية التى تختار الفائز بجائزة نوبل فى الطب أو الفسيولوجيا عن فوز العالم اليابانى «يوشينورى أوسومى» بالجائزة لهذا العام 2016، لاكتشافه آليات الالتهام الذاتى فى الخلية. وفى بيانها الذى نشرته على موقعها الرسمى قالت إن «الحائز على جائزة نوبل لهذا العام اكتشف وأوضح الآليات الكامنة وراء الالتهام الذاتى، وهى عملية أساسية لتفكيك وإعادة تدوير المكونات الخلوية».

كثير من الناس كان يسمع مصطلح «الالتهام الذاتى» لأول مرة، مما أشاع انطباعا بأن الخلية يمكن أن تأكل أجزاء سليمة من جسمها فى ظروف معينة، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة لأن مصطلح «الالتهام الذاتى» لا يعنى ما تبادر إلى أذهان البعض، حتى فى صحف ومواقع إلكترونية مرموقة، منها موقع مؤسسة إعلامية عالمية شهيرة عنونت تقريرها عن الجائزة بمانشيت يقول «فوز العالم اليابانى يوشينورى أوسومى بجائزة نوبل فى الطب بفضل أبحاثه فى (التدمير الذاتى) للخلايا». وسرعان ما نقل كثير من الصحف والمواقع الإلكترونية تعبير «التدمير الذاتى» دالا على عملية ليست كذلك بالقطع.

يوشينورى أوسومى الفائز بـ«نوبل» فى الطب لهذا العام يستعرض لوحة لصورة ميكروسكوبية تُظهر المكونين الرئيسين لعملية «الالتهام الذاتى».. حويصلات عزل نفايات الخلية وليسوسومات الإنزيمات الهاضمة لها

حتى نتبين جوهر ما يسمى بـ«الالتهام الذاتى» وهو آلية حيوية مذهلة العبقرية وواعدة الآفاق، وتنطوى على رسائل مُلهِمة تتجاوز حدودها البيولوجية إلى ساحات السلوك الاقتصادى والسياسى والاجتماعى والنفسى للأفراد والأمم، علينا أن نتسلح ببعض المعرفة المعقولة عن أهم مكوناتها ثم نُعرِّج على مسيرة أبحاثها وصولا إلى آخر منجزاتها، مع وقفة واجبة أمام ظاهرة العالِم اليابانى الذى فازـ منفرداـ عن أبحاثه فى رحابها، بجدارة قوامها أكثر من 25 عاما من التفانى فى الكشف عن أسرار هذه الآلية، ووعودها فى مجالى الحفاظ على الصحة ومكافحة المرض، بل حتى فى التماس الحكمة فى ميادين بعيدة تماما عن الصحة والمرض، كمصائر الشعوب!.

«كرستيان دو دوف» مكتشف ليسوسومات هضم نفايات الخلية التى منحته جائزة نوبل عام 1974 وهو واضع مصطلح «الالتهام الذاتى»

ما يسمى بـ«الالتهام الذاتى» آلية تدور داخل الخلية فى الظروف الطبيعية وغيرها، وتقوم على مُكوِّنَين أساسيين من «العُضيات» المحاطة بأغشية تُسمَّى «الفجوات العصارية» أو «الحويصلات»، وهى أعضاء بالغة الصغر فى السيتوبلازم المحيط بالنواة، وتقاس بالميكروميتر البالغ 1 من 1000 من الملّيِمتر. أول هذين المكونين هو «الليسوسوم» الذى يوجد منه مئات داخل الخلية، ويحتوى على إنزيمات مختلفة لتفكيك أو تحليل المادة العضوية كما لإعادة تشكيلها فى صيغ جديدة لتغذية الخلية.

وقد اكتشف العالم البلجيكى «كريستيان دو دوف» الليسوسومات عام 1955، ونال جائزة نوبل عن اكتشافه ذاك عام 1974. أما ثانى مكونات عملية «الالتهام الذاتى»، فهى فجوات تحتوى على المواد المُبتلَعة وتُسمى «حويصلات الالتهام الذاتى». وإضافة إلى هذين العُضيين الفاعلين، توجد «النفايات» المفعول بها منهما، والتى تتخلف عن أنشطة الخلية المختلفة من بروتينات تالفة، وعُضيات أخرى معطوبة، وميكروبات متسللة داخل الخلية.

خطوات « الالتهام الذاتى» 1 ـ يتكون غشاء لمحاصرة حفنة النفايات 2 ـ ينمو الغشاء أكثر ليعزل الحفنة 3 ـ يصير الغشاء حويصلة للنفايات 4 ـ الليسوسوم المحتوى على مزيج من إنزيمات متعددة 5 ـ تلتحم حويصلة النفايات مع الليسوسوم فيبدأ عمل الإنزيمات 6 ـ تفككك الإنزيمات النفايات وتعيد تركيبها فى مواد جديدة ( إعادة تدوير) تعطى الخلية غذاء وطاقة وبروتينات للتجديد.

فى العام 1962 لاحظ العالم كينيت بورتر وتلميذه توماس أشفورد أن بعض الفجوات العصارية التى تنداح نحو النواة تحوى فى قلبها عُضيات «الميتوكوندريا» التى تمثِّل محطات الطاقة فى الخلية، فظنوا أن الخلية تأكل بعض مكوناتها السليمة باصطيادها وهضمها داخل الليسوسوم. ومن هنا جاءت تسمية «الالتهام الذاتى» التى صكها عام 1963 «كرستيان دو دوف» نفسه، لكن آلية ذلك «الالتهام الذاتى» لم تكن معروفة، وهو ما تصدَّى له عالم الأحياء اليابانى «يوشينورى أوسومى» منذ أسس مختبره الخاص فى بلده عام 1988 مُكرِّسا جُل اهتمامه لتطوير دراسات «الالتهام الذاتى» حتى صار علما ومرجِعا عالميا فى موضوعه، ولم يكتف بكشف أسرار آلية حدوث هذه العملية فقط، بل اكتشف 15 جينا أساسيا فى حدوثها، وفتح آفاقا واعدة لتكريسها فى حالات الصحة والمرض، والمدهش، وغير المُستغرَب فى الشخصية اليابانية أن الرجل عندما جاءته جائزة نوبل قال ببساطة صادقة إنه لم يكن يتوقعها، وصرح للصحافة اليابانية أن فوزه بجائزة نوبل كان حلما فى طفولته، لكنه ما إن بدأ البحث فى الموضوع الذى شُغف به، صار حصوله على الجائزة خارج اهتمامه، ويبدو أنه قد وطن نفسه على الفرح بعمل ما يحبه بغض النظر عن أى جوائز وأى تقديرات. وقد كانت «الخلية» حبه الأول، و«الالتهام الذاتى» عشقه الدائم!

ولتقريب الصورة، يمكننا اعتبار الخلية مجمعا صناعيا حيويا هائل القدرات بالغ النمنمة، لا تتوقف خطوط إنتاجه، ما دامت الخلية حية، ومن ثم تتخلف عن هذا الإنتاج المتنوع نفايات متعددة من بروتينات معطوبة وعُضيات شائخة أو أجزاء من عضيات تالفة وفضلات مختلفة للتمثيل الغذائى فى الخلية وفتات من مكونات التشغيل. عندئذ يبدأ تكوُّن غشاء مزدوج على شكل قوس أو طاقية تتوجه نحو تجمُّع للنفايات لحصره وعزله فى نطاقها، وما أن يحدث ذلك حتى ينمو الغشاء ويتمدد ليصير حوصلة كروية مغلقة على ما اصطادته من نفايات تُسمى «حويصلة الالتهام الذاتى»، ثم تنداح هذه الحويصلة بما فيها متجهة نحو «ليسوسوم» ممتلئ بالإنزيمات الهاضمة، تندمج معه، تاركة محتواها ليغمره مزيج الإنزيمات فتتفكك المخلفات إلى مكوناتها الأساسية، ومن هذه المكونات الأساسية تُصاغ مواد جديدة لتغذية الخلية وإمدادها بالطاقة وبالبروتينات اللازمة للتجديد والتأهيل للتكاثر بالانقسام وتفريخ خلايا جديدة. هكذا تقوم الخلية بتحويل نفاياتها إلى مواد جديدة نافعة، فتقدم لنا نموذجا باهرا «لإعادة تدوير النفايات»، لا أكل السليم من ذاتها ولا نهش نفسها!

بالطبع هذا العرض لتلك الأعجوبة الحيوية الحية شديد الاختزال، فهى ظاهرة عُظمى يُكشف عنها أخيرا فى فهم مسببات كثير من الأمراض عند جنوحها أو إخفاقها، وعُظمى فى حفز كثير من مقومات السلامة والصحة عند توظيفها. لكن ما يهم فى رسالة هذا المقال هو التفاعل المدهش لهذه الظاهرة مع حالات الإفقار والشدة أو التعرض للضغوط، سواء بسب نقص الغذاء فى المجاعات وعند الصوم، أو نقص الأوكسجين لأسباب مختلفة، أو الافتقار إلى الطاقة لنفاد احتياطياتها، ويأتى التفاعل فى كل ذلك مدهشا ومُنعشا وكاشفا لنا عما يتوجب علينا سلوكه فى شدائد نعانيها وأزمات ننزلق إليها، فعند وقوع الخلية فى الشدة والإفقار، لا تسأل بعيدا أو قريبا من الخلايا المحيطة أن يقرضها قرضا حسنا أو سيئا، فالملاحظة المُلهِمة التى كشف عنها البحث العلمى المديد فيما يسمى «الالتهام الذاتى»، ينبئنا بأن الخلية عند تعرضها للجوع أو الاختناق، تتكاثر فيها الحويصلات الجامعة للنفايات كما تتكاثر الليسوسومات الهاضمة، وتحتدم عملية «إعادة تدوير النفايات» للحصول على الحد الأدنى من الغذاء والطاقة، ذاتيا، لمواصلة حياتها والذهاب إلى الأفضل دون تسأل كريما أو لئيما ليعينها عند الشدة.

هذا ما يعنينا هنا من تأمل تلك الظاهرة الحيوية الحية، وهو يوحى لنا بوجوب تفعيل وتأجيج الطاقات الذاتية للأمة وتشغيل عقلها وأذرعها للاستفادة من كل المتاح على أرضها! وللتذكرة، فإن الهند وهى تجاهد للصعود من مستنقع الانكسار والفقر والتخلف بعد تحررها من الاستعمار البريطانى، وضعت نُصب عينيها قواعد حاكمة: ألا تقترض أو تقبل مساعدات خارجية، وأن تُنشئ نظاما تعليميا راقيا لا يُحرم فيه موهوب لفقره، فوطنت الصناعة وشجعتها، وحفزت الزراعة وحدَّثتها، وصعدت ولا تزال تواصل الصعود. كأنها فهمت رسالة الخلية الحية التى لا تأكل نفسها عند الشدة، ولا تترك غيرها يأكلها.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق