اخبار اليوم الذاكرة والتاريخ

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

العجيب فى هذه الإيام، الإصرار على استمرار العداء بين الإخوان والدولة، واستمرار إسالة الدماء لجندى وضابط وشرطى أم لمدنى مخالف فى الرأى وهارب من الاعتقال والسجن والتعذيب. والأعجب أن كل طرف لا يذكر للطرف الآخر إلا صفحته السوداء، اغتيالات الإخوان وتعذيب الدولة. وكتاب كل طرف مملوء بالصفحات البيضاء كما هو مملوء ببعض الصفحات السوداء للصراع على السلطة وكأنها هى المدخل الوحيد للعمل السياسى. وقد استغرقت دعوة الرسول ثلاثة وعشرين عاما منها ثلاثة عشر عاما لبناء الرجال، وعشر سنوات فقط عندما فرضت عليه المقاومة. وأحست قريش أنها ستخسر المعركة سلما. الإخوان لا يذكرون للدولة إلا الاعتقال والتعذيب بل والإعدام (عبد القادر عودة)، والدولة لا تذكر للإخوان إلا العنف والخروج على المجتمع بالسلاح. ولا أحد يقول: عفا الله عما سلف. والتاريخ لا يتوقف عند لحظة من لحظاته. ومن فضائل الذاكرة النسيان. فلو تذكر الإنسان كل صغيرة وكبيرة مر بها لتحولت حياته إلى جحيم كما لاحظ برجسون.

وقد سبقت تونس لشق طريق جديد، هو الإسلام الديمقراطى التعددى الليبرالى المفتوح الذى سماه سيد قطب فى يوم من الأيام «الإسلام الأمريكانى». وهو لا يُذكر له إلا «معالم فى الطريق» الذى كتبه فى السجن نتيجة التعذيب. ولا يُذكر له «العدالة الاجتماعية فى الإسلام»، «الإسلام والرأسمالية»، «معركتنا مع اليهود»، «التصوير الفنى فى القرآن»، «النقد الأدبى، أصوله ومناهجه». والمصالحة تبدأ بالتسامح والعفو والمغفرة. وكم كان الخصام بين إنجلترا وفرنسا، وبين ألمانيا والغرب كله. والآن تعيش كل الأطراف فى الاتحاد الأوروبى عدا إنجلترا التى انفصلت عنه مؤخرا.

ويمكن إعطاء أمثلة على ذلك حتى تعمل الذاكرة، وتقلب الصفحة، ويستمر التارخ. لقد بدأت الصفحة الأقل بياضا فى تاريخ الإخوان بمقتل النقراشى باشا، رئيس وزراء مصر، فردت الدولة عليه باغتيال حسن البنا، مؤسس الجماعة، عنف وقتل متبادل. وأسس الإخوان الجهاز السرى فى مقابل أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للدولة. وأصبح كل طرف ينظر إلى الطرف الآخر بعين الريبة والشك. يتنمر له، وينتظر لحظة افتراسه بمنطق «إما... أو»، إما الإخوان وإما الدولة، إما الدولة وإما الإخوان. وبعد أن قامت ثورة يوليو 1952 اصطدم الإخوان والدولة من جديد عام 1954 بعد حادث المنشية لمحاولة اغتيال عبد الناصر. وحُلَّت الجماعة. وأعدم المفكر القانونى عبد القادر عودة ومن قاموا بتدبير الاغتيال. واصطدم ناصر بالشيوعيين المصريين عام 1958 لمعارضتهم الوحدة مع سوريا. وحل الحزب الشيوعى المصرى (حدتو)، الحركة الديمقراطية التقدمية الوطنية. وهرب أعضاؤه إلى الخارج. ومنهم بعض مفكرى وسياسيى مصر الكبار (أنور عبدالملك، ميشيل كامل، أديب ديمترى، سمير أمين) واستشهد شهدى عطية من التعذيب فى السجن. وبعد وفاة ناصر 1970، وتصفية ما سمى بمراكز القوى وهم الناصريون، والإفراج عن الإخوان لضرب الناصريين والاشتراكيين استعدادا للتحول من الاشتراكية إلى الانفتاح الاقتصادى، ومن التحالف مع الاتحاد السوفيتى إلى التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد اتفاقية كامب ديفيد فى 1978 ومعاهدة السلام مع إسرائيل فى 1979 واشتداد المعارضة لسياسات رئيس الجهورية الثانية، وفصل أساتذة الجامعات والصحفيين وإقصاء البابا شنودة ثم اغتياله من جماعة إسلامية متطرفة، جماعة الجهاد فى أكتوبر 1981. ثم أتى نائبه، الرئيس المخلوع، الذى بقى حوالى ثلاثة عقود فى الحكم بسياسة عدم الحركة. وبعد ثورة يناير 2011 ووصول الإخوان للحكم عن طريق انتخاب حر سليم وإساءة التصرف بأخونة الدولة وابتلاع الجماعة لها، وسيطرة مكتب الإرشاد. وبدلا من تطبيق الشعار الأول الذى رفعوه «مشاركة لا مغالبة» طبقوا فى الواقع سلوكا مضادا «مغالبة لا مشاركة» حتى انفصلت باقى القوى السياسية عنهم بعد أن أبدوا خوفا من عودة النظام السابق. نزل نصف الشعب تقريبا إلى الشوارع فى 30 يونيو 2013 وسانده الجيش. ثم حكم الجيش بعد قريش بمفرده، وحاول القضاء على جميع قوى المعارضة، إخوانية أو يسارية، ويستمر الخصام حتى الآن. تسير مصر على ساق واحدة كالعرجاء. وترى العالم بعين واحدة كالعوراء. وتتنفس برئة واحدة فأصيبت بالاختناق. وبدأ الملل الشعبى لغلاء الأسعار، وتوالى المصائب على مصر، وسيل الدماء فى سيناء، والقبض على البلاد بيد من حديد، والإخوان فى السجون أو هاربون. هذه هى الصفحة السوداء فى الذاكرة والتاريخ التى يعرفها ويذكرها كل الناس.

ومع ذلك، هناك صفحة بيضاء لا يذكرها أحد. وهى التى تبشر بالأمل فى المستقبل بعد قلب الصفحة السوداء. فقد تعرف ناصر على الجماعة فى حرب 1948 فى فلسطين. وأعجب بشجاعتهم وجرأتهم فى مواجهة العدو الإسرائيلى. ثم اشتركا معا فى حرب الفدائيين بالقناة 1951 بقيادة كمال رفعت من الضباط الأحرار لتطهير البلاد من الاحتلال البريطانى على ضفاف القناة وفى التل الكبير والمعسكر الأحمر على ضفاف النيل مكان مبنى الجامعة العربية وفندق هيلتون الآن. ولما قامت الثورة فى يوليو 1952 كان نصف أعضاء مجلس قيادة الثورة من الإخوان مثل عبدالمنعم عبدالرءوف، ورشاد مهنا الذى عُين وصيا على العرش. واختار ناصر سيد قطب ليكون رئيس أول تنظيم سياسى تقيمه الثورة معترفا بقدراته الفكرية والأدبية وما يمثله من تيار اشتراكى إسلامى بعدما كتب «العدالة الاجتماعية فى الإسلام». وكان بعض الوزراء من الإخوان مثل الشيخ حسن الباقورى وعبدالعزيز كامل. وفى العدوان الثلاثى على مصر فى 1956 خرج الإخوان والشيوعيون من السجن للدفاع عن بورسعيد قبل أن يطلبوا إعادتهم إلى السجن مرة أخرى وطالبوا بتسليم السلاح. وعارض الإخوان مثل باقى القوى الوطنية الجلاء فى 1954 التى كانت تسمح نصاً بعودة قوات الاحتلال إلى مصر فى حالة الضرورة القصوى كما عارضوا مثل باقى القوى الوطنية اتفاقية كامب ديفيد فى 1978، ومعاهدة السلام مع إسرائيل فى 1979 خوفا من الرئيس المغدور بعد الانتفاضة الشعبية فى يناير 1977 والتى سماها «انتفاضة حرامية». لا فرق بين يسار وإخوان. وفى السنوات الأخيرة حاول الرئيس المخلوع عقد حوار معهم عن طريق المخابرات الحربية حتى كتبوا «المراجعات» وهم يراجعون أنفسهم، فكرا وسلوكا، قبل حزب النهضة فى تونس. ثم شارك الإخوان فى الثورة الشعبية فى يناير 2011 كجزء من القوى الوطنية. وفى تموجات الثورة نجح مرشح الإخوان للرئاسة 2012 وظلوا فى الحكم عاما واحدا دون خبرة. فأزيحوا عن الحكم. وهم الآن جزء من المعارضة وفى قلبها مع اليسار الوطنى. وخرجت كتابات تدين العنف منذ أن بدأ فى الظهور نتيجة للكبت السياسى مثل «دعاة لا قضاة» لحسن الهضيبى، مرشد الجماعة، بعد اغتيال مؤسسها حسن البنا.

والآن، إذا كانت هناك صفحة سوداء فى الذاكرة والتاريخ بين الإخوان والدولة فإن بها صفحات بيضاء. فهل يستمر سيل الدماء أم تبدأ المصالحة؟ لقد تعلم الجميع من الماضى وآن الأوان لبداية حاضر جديد. إذ يحل شباب الإخوان الآن محل الشيوخ. يدهم ممدودة للمصالحة بدلا من الشيوخ المكبلين بذكريات الماضى الأسود. وقد سرت الشائعات أن المصالحة قادمة ابتداء من 30 يونيو من العام الحالى بمناسبة الذكرى الثالثة للتحرك الشعبى منذ ثلاث سنوات. وفريق الحكومة بقيادة شاب موهوب هو إسماعيل الأزهرى. وما أسهل المصالحة لو صدقت النوايا. وليس الهدف هو من يحكم ولكن يحكم لصالح من؟ وقد أرادت بريطانيا تعيين الأفغانى ملكا على السودان ولكنه رفض لأن الحكم للمحكوم وهو الشعب وليس للحاكم وهو السلطان. والهدف من المصالحة هو المحافظة على مصر.

يكفى ما حدث من اقتتال فى العراق وسوريا وليبيا واليمن، والسماح للقوات الأجنبية بالتدخل لنصرة فريق على فريق فتطول مدة الحرب مثل تدخل الاتحاد السوفيتى فى سوريا والذى كان حليفها. وواضح أنه كان حليف النظام وليس حليف الشعب. وتدخل إيران فى العراق وسوريا واليمن لنصرة طائفة على طائفة، الشيعة على السنة وليس دفاعا عن الثورة العربية. وإيران فى النهاية موطن الثورة الإسلامية. والحرب دائرة فى مناطق الحضور المصرى فى الستينيات، سوريا والعراق وليبيا واليمن. يأتى العدوان من الأطراف قبل أن يطعن فى القلب. والخوف على لبنان، مهد الثقافة العربية، والبحرين دفاعا عن العروبة. والخوف على استقرار الجزائر والكويت والإمارات من ثورة القبائل فى الجزائر، والمهاجرين الأسيويين فى الخليج الذين لهم الأغلبية السكانية دون حق المواطنة أو المشاركة فى الحكم. وإذا كانت المصالحة مع إسرائيل قد تمت والدعوة لها مستمرة، فهل المصالحة بين العرب أكثر صعوبة؟ وكما تتم المصالحة بين الزوجين تتم المصالحة بين الإخوان والدولة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ).

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق