اخبار اليوم من المنتصر ومن المهزوم؟.. دلالات حوار بخط بارليڤ (١-٣)

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هذا فى تقديرى حوار واقعى مهم سجله الكاتب الإسرائيلى ران أدليسط فى إطار قصة قصيرة بين اثنين من المثقفين الإسرائيليين تم استدعاؤهما لخدمة الاحتياط بخط بارليڤ عام ١٩٧٠ وقد دار بينهما حول الخيارات السائدة فى إسرائيل تجاه سيناء الواقعة فى القبضة الإسرائيلية وجرى الحوار فى فترة استراحة من القصف المصرى الضاغط عليهما خلال حرب الاستنزاف. إننى أرى أنه يمكننا هنا أن ننطلق من الخيارات المفضلة عند الإسرائيليين عام ١٩٧٠ والتى يكشفها هذا الحوار الواقعى لنجرى عملية تفكير لاستخلاص دلالات تساعدنا فى الحسم الموضوعى لما تطرحه أبواق الدعاية الإسرائيلية من أن النصر فى حرب أكتوبر كان من نصيب إسرائيل بدليل حدوث الثغرة. قبل أن نشرع فى هذه المهمة دعونى أشير إلى أنه يوجد على الجانب العربى فصائل سياسية يسارية وناصرية تردد المزاعم الإسرائيلية فى المنتديات ووسائل التواصل الإلكترونى نكاية فى الرئيس السادات لأسباب عداء أيديولوجى تحت ادعاء أن الحرب كانت تمثيلية متفقا عليها. إنه ادعاء يستند أصحابه لتفسير مختل ومعتل لعبارة استخفاف بمصر قالها كيسنجر لحافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومى المصرى قبل حرب أكتوبر، معناها أنه لا يمكن لأمريكا أن تتحرك لصنع سلام بين إسرائيل القوية الرابضة فوق سيناء وبين مصر العاجزة عن الحركة. إننى أرجو هذه الفصائل أن تشاركنا التفكير الموضوعى بعيدا عن الصراعات الأيديولوجية والخصومات السياسية مع السادات حول السؤال القائل من هو الطرف الذى خرج منتصرا، ومن هو الطرف الذى خرج مهزوما استنادا إلى الهدف الاستراتيجى المصرى من شن الحرب وهو تحريك الجمود بما يؤدى إلى سلسلة تفاعلات تتوج بتحرير كل شبر من سيناء واستنادا إلى هدف إسرائيل الاستراتيجى فى تجميد الموقف والتمسك باحتلال سيناء. وبما أننى أوردت هذه الإشارة عن اليساريين والناصريين فإنه من المهم أن أوضح للقارئ بصورة قاطعة أننى لست ساداتيا ولا ناصريا ولا يساريا ولكننى باحث مصرى ينشد الحقيقة المجردة فى هذا الموضوع. هذا مع العلم أننى أتخذ فى السياسة الخارجية والداخلية على نحو عام موقفا براجماتيا يبحث عن المصالح الوطنية فى الدرجة الأولى بمرونة فكرية.

لنذهب الآن إلى الحوار الإسرائيلى الذى جرى داخل أحد حصون خط بارليڤ عام ١٩٧٠ تحت ظغوط حرب الاستنزاف المصرية. إننا نكتشف من حوار هذين المثقفين الإسرائيليين المذكورين إيتسيك ويوسى الخيارات السياسية المطروحة فى المجتمع الإسرائيلى تجاه الأراضى العربية المحتلة كما يلى:

أولا- على مستواهما الشخصى كان بمقدورهما إيجاد علة يعتذران بها للجيش الإسرائيلى عن قبول دعوة الالتحاق بخدمة الاحتياط ولكنهما استجابا للدعوة بحكم إحساسهما بالواجب الوطنى، أى أنهما ليسا انهزاميين أو يغردان خارج السرب، وبالتالى علينا أن نعتبر حوارهما حوارا جادا وكاشفا عن الخيارات المحيطة بهما.

ثانيا- أن الاثنين لا ينتميان إلى معسكر أرض إسرائيل الكاملة الذى ينادى بالاحتفاظ بجميع الأراضى العربية المحتلة فى الجولان والضفة الغربية وسيناء وضمها لإسرائيل باعتبارها أراضى تنتمى لإسرائيل تاريخيا، ويعبر الجنديان عن استخفافهما بطريقة تفكير رفاقهما المنتمين لهذا المعسكر المتطرف ورطانتهم التاريخية، بل ويقول أحدهما فليذهب هؤلاء الرفاق إلى الجحيم تعبيرا عن رفض موقفهم ومنطقهم الذى يستخدم سفسطة تاريخيةً لتبرير فكرة إسرائيل الكاملة أو الوطن الكامل. المهم أن نلاحظ هنا أن خيار ضم سيناء لأسباب أيديولوچية تبرر الأطماع التوسعية كان موجودا وبقوة فى المجتمع الإسرائيلى ولن ننسى التعبيرات السياسية عن هذا الخيار ممثلة فى شعار (ولا شبر واحد) الذى رفعه حزب ليكود رفضا لمبدأ أى انسحاب ولن ننسى قول زعيم الحزب مناحيم بيجين من أنه يعتبر سيناء جزءا عضويا من أرض إسرائيل الكاملة.

ثالثا- أن الجنديين لا ينتميان إلى جماعة يسارية كانت موجودة آنذاك تسمى جماعة متسبن وكانت تنادى بإعادة الأراضى المحتلة للعرب لإقامة سلام معهم بل إنهما يتفقان فى تحقير هذه الحركة ووصف أعضائها بالمعتوهين الحمقى. وهنا علينا أن نلاحظ أن تيار الأرض مقابل السلام كان تيارا هامشيا فى المجتمع الإسرائيلى.

رابعا- أن الجنديين المثقفين الملتحقين بخدمة الاحتياط لا ينتميان إلى مدرسة التفكير السائدة بين ضباط الجيش العاملين المحترفين والذين يتميزون بالعدوانية بحكم المهنة ويرفضون أى انسحاب من الأرض لأسباب استراتيچية. وما يهمنا هنا ملاحظة أن تفكير العسكريين المحترفين كان يساند لاعتباراته الاستراتيچية معسكر إسرائيل الكاملة.

خامسا- أن الجنديين المثقفين لا ينتميان إلى قطعان الجماهير الطيعة فى أيدى القيادة الذين إذا تلقوا أمرا بالاستيطان يستوطنون وإذا تلقوا أمرا بالقتل يقومون بالقتل وإذا قيل لهم حاربوا يحاربون دون أن يكون لديهم حماس للأرض المقدسة.

سادسا- أن الجنديين المتحاورين إيتسك ويوسى ينتميان إلى تيار القبول بالسلام مع العرب مقابل الحدود الآمنة وهو التيار الذى يرفضه معسكر أرض إسرائيل الكاملة لأن مبدأ الحدود الآمنة فى حد ذاته يعنى إرجاع جزء من الأراضى للعرب والانسحاب إلى الخط الذى يعتبره القادة ممثلا للحدود الآمنة وهو ما يتعارض مع شعار ولا شبر واحد.

سابعا- رغم هذا التفكير السياسى من جانب الجنديين وتفضيلهما خيار السلام مقابل الحدود الآمنة من الناحية النظرية كطريق يؤدى بالمصريين إلى التوقف عن إطلاق النار، التى تمثل قذائفها ضغطا شديدا عليهما، فإن أحدهما يعتبر وضع احتلال الأرض العربية القائم أفضل خيار ممكن من الناحية البراجماتية العملية أو من ناحية المصلحة الإسرائيلية. وهذا خيار أكده لى الأسرى الضباط الإسرائيليون بالسجن الحربى المصرى فى أكتوبر ١٩٧٣ الذين أكدوا لى أن البقاء فى سيناء كان الوضع المفضل عندهم طالما كنا كمصريين عاجزين عن طردهم منها. المهم هنا أن نلاحظ أن من كانوا يقبلون فكرة السلام مقابل حدود آمنة كانوا يتعاملون مع الفكرة فى إطارها النظرى بينما كانوا يفضلون من الناحية العملية البقاء فى سيناء. الخلاصة أن البقاء فى سيناء كان الخيار المفضل عند الإسرائيليين عام ١٩٧٠ فلماذ انسحبوا منها إذن بعد حرب أكتوبر وهل يدل انسحابهم على انتصارهم فى الحرب؟ أرجو أن يعمل رجال الدعاية الإسرائيلية وأيضا الناصريون واليساريون عقولهم للإجابة الموضوعية عن هذا السؤال.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق