اخبار اليوم السفير محمد حجازى يكتب: مصر والسعودية.. علاقات استراتيجية فى زمن صعب

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يستلزم الحفاظ على المصالح الاستراتيجية للدول وجود أطر مرنة لبحث الخلافات الطارئة وتواصل متبادل يحافظ على الثوابت ويدير الخلافات فى سياق محدد.

العلاقات المصرية السعودية، أساس النهوض بمنظومة الأمن القومى العربى، وهما برؤيتهما المشتركة قاعدة الأساس لاستعادة الاستقرار، والتصدى للإرهاب، ووقف التوغلات الإقليمية لتعزيز القدرات العسكرية ورفع درجة التنسيق السياسى للتصدى لما يحاك للمنطقة من شرذمة وتقسيم وابتزاز أمنى وضغط سياسى واستنزاف اقتصادى، كما يستند الوعى بالمصالح الاستراتيجية على إدراك أهمية الإسناد الاقتصادى والتنموى اللازم لخلق بيئة مناسبة للحياة وبناء القدرات ومواجهة التحديات والتهديدات وعلى رأسها تحدى الإرهاب والتدخلات الأجنبية ومساعى الهيمنة الإقليمية فى ظل مشهد سياسى شديد التعقيد بالمنطقة تتداخل فيه مصالح قوى دولية وأطماع قوى إقليمية وقوى محلية مشتتة بين أيديولوجيات وأهداف متناقضة، تظل عملية المواءمة والتطابق أمر شديد التعقيد لاسيما فيما يخص المشهد السورى المأساوى، ومصر والسعودية تتفقان شأن الكثيرين على وقف العدائيات وإطلاق عملية سياسية تقود إلى سلطة انتقالية ويسبقها إيصال المساعدات الإنسانية فى شرق حلب المحاصر، وهنا كان تصويت مصر لصالح ما تضمنه القراران الروسى والفرنسى وما اتفقا فيه، ولكن هناك جماعات إرهابية على الأرض كالنصرة أو «جيش الفتح» وداعش، يجب عزلها حتى لا تستفاد من مكتسبات المعركة وتستفيد من الأرض وتكون نقطة انطلاق لتحقيق مزيد من المكاسب، وكان التوافق الأمريكى الروسى هو فصل قوات المعارضة عن قوات الإرهابيين، ولعل ترك الإرهابيين دون التوافق على عزلهم واستمرار مواجهتهم هو محرك الموقف الروسى، كانت مصر مدركة أن القرارين الفرنسى والروسى سيتعرضان لفيتو مزدوج، وما كان ينبغى طرح المشروعين دون تحقيق توافق خارج مجلس الأمن والذى أظهر هذا الإلحاح على تجاهل الواقع وجوهر الخلاف نقاط ضعف المجلس وزاد الأمور تعقيدا.

نبهت مصر أن استخدام بعض القوى للجماعات الإرهابية كأداة لتحقيق أهداف سياسية هو أمر خطير وغير مسؤول، فخطر الجماعات الإرهابية المنتشرة فى منطقتنا فى شمال القارة الأفريقية وعبر آسيا لأفريقيا هو قربها من حدودنا الغربية فى درنة الليبية «70 كيلومترا» من الحدود المصرية الغربية، ونحاربها شرقا فى سيناء، وتركها تعبث فى سوريا وتلتقط أنفاسها مع من يدعمها ويستخدمها هو أمر تراه مصر خطرا على أمنها القومى وعلى الأمن القومى العربى، حيث تهدد تلك الجماعات ومن يدعمها كيانات الدول العربية مما أدى لانهيار الدول القومية، وصارت أقطارنا فى سوريا والعراق وليبيا مرتعا للنشاط المشبوه لتلك القوى التى توغلت فى 33 دولة حتى الآن، وباتت أداة لتنفيذ سياسات قوى إقليمية ودولية تستخدمها كما ذكر مندوبنا الدائم فى مجلس الأمن لتحقيق أهداف سياسية، هى بالفعل أداة لضرب دولنا وجيوشنا بل هى أداة حتى لترسيم حدود الدول، وهى عنوان لتحقيق مطامع تحت زعم محاربتها، ومن يعطى رخصة حربها يستهدف مد نفوذه للمناطق التى يزعم تحريرها، أو القضاء على نشاط عسكرى أو سياسى أو إثنى قرب حدودها، والمثال التركى هو الأوضح فى هذا السياق كما هو المثال الكردى أيضا الذى تسلحه الدول الغربية لفرض السيادة على مناطق بعينها فى تعارض ظاهر ولكن فى مجملة لسنا طرفا فيه.

وسط هذا الفهم الاستراتيجى لأبعاد ومخاطر نشاط الجماعات الإرهابية شديدة الخطورة وتفهم لاستخدامات قوى إقليمية ودولية لها، يتحرك الموقف المصرى الساعى للحفاظ على ما تبقى من كيانات الدول القومية فى منطقتنا العربية والدعوة لمواجهة دولية جادة من خلال مقاربة شاملة للمواجهة العسكرية والأمنية والتنموية والأيديولوجية وتجفيف منابع التمويل وتسوية جذور المنازعات السياسية.

وتعانى المملكة العربية السعودية بنفس القدر من مخاطر الإرهاب وتتفق رؤيتها فى ضرورة تأمين المحيط العربى وتحقيق وتحصين دوله من هذا الخطرالمشبوه والذى قد يطال الجميع، وفى سوريا رؤيتنا وغايتنا واحدة، ولكن هناك مناطق عدم اتفاق يمكن فهمها فى ضوء فهم كوامن الموقف المصرى السابق فى شرحها، ولكننا، على ثقة من أن درجة النضج السياسى بين البلدين وإدراكهما للمخاطر المحيطة بالجميع ستسمح لهما بقبول درجات الاختلاف فى أى ملف أو موضوع، خاصة وأن الجهد الدولى سيتواصل حتماً فالمأساة الإنسانية فى سوريا باتت شديدة القسوة والوطأة، وأن الكل مدرك أنه لا حل عسكرى يرتجى، وأن استمرار النزاع على كلفته الإنسانية والعسكرية قد يجر القوتين العظميين (الولايات المتحدة وروسيا) إلى حافة المواجهة والصدام.

علينا فى مصر والسعودية استمرار الحوار والتواصل وتبادل الزيارات رفيعة المستوى بدءا من خلق آلية حوار استراتيجى ولتكن على مستوى اللجنة التنسيقية العليا المشتركة التى يرأسها سمو ولى ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، والسيد سامح شكرى، وزير الخارجية، وهى من بين مهامها كما أرى هو بحث متفق عليه وهو كثير وجسر قوة الاختلافات فى أى موضوعات، وهو ما سيضمن المزيد من التنسيق وتقريب وجهات النظر ما دامت المصلحة واحدة، وبعيداً عن تراشق إعلامى مباشر عبر وسائط تواصل لا يعرف من ورائها وتستهدف الوقيعة المتعمدة بين ركيزتى الأمة.

فمصر والسعودية هما بحق جناحا الأمة ومخرجاها نحو الاستقرار والتصدى للتحديات ووءد الفتن، وهما سند لبعضهما البعض، فالمملكة مواقفها التاريخية دوما سند لمصر، فهى سند مصر بعد هزيمة 1967 وتحملت مسؤوليتها خلال نصر أكتوبر عسكرياً واقتصادياً، ودوما جزء من دعم التنمية ومسيرتها فى مصر، وكان لدورها بعد ثورة 30 يونيو اقتصاديا وسياسيا ما كان له فضل تثبيت أقدامها داخليا وأمام دول العالم وقادتها، تلك العلاقات الأصيلة المبنية على وعى وفهم إستراتيجى قادرة على تجاوز أى خلاف أو تباين فى وجهات النظر فالأهم الإبقاء على التواصل والحوار وتكامل الأدوار وتوزيعها والتصدى لمؤامرات القوى الدولية وأطماعها وتوغل القوى الإقليمية ووضع حد لها، وبما يصون مصالحهما ومصالح أمتهما العربية وأمنها القومى، فهما «سر قوة العرب وركيزة مستقبلهم» كما ذكر الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، والذى ذكر فى موضع آخر فى جبل رضوى فى عام 1945:

«إن جيش مصر هو جيشكم، وجيشكم هو جيش مصر، وحضارة مصر هى حضارتكم، وحضارتكم هى حضارة مصر، الجيشان والحضارتان هما جند العرب».

علينا أن نستلهم هذا الوعى والنضج السياسى والفهم الاستراتيجى عند الحديث عن أى خلاف قد يطرأ، متمسكين دائما بما بيننا من أواصر وما يكنه المصريون من مشاعر حب صادق للمملكة وتهفو دائما نفوسهم للمشاعر المقدسة على أراضيها المباركة.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق