اخبار اليوم د. محمد رشيد بهجت

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

وصلتنى هذه الرسالة التى تفوح بعبير الحب من الدكتور أحمد سمير، مدرس مساعد الباثولوجيا الإكلينيكية بالمعهد القومى للأورام. أثمّن كثيرا خصلة الوفاء فيه، وأشكره بالنيابة عن القراء أنه فتح لنا طاقة نور فى وقت ساد فيه الظلام وطال الليل بلا آخر. وأود أن أُعلم القراء الأفاضل أننى أرحب بنشر رسائل الوفاء من هذا النوع عن أبطال عاشوا بيننا فى صمت ولم تُسلط الأضواء عليهم.

والآن أترككم مع الرسالة.

■ ■ ■

بما أن عنوان العمود الذى تكتبون فيه هو «الكثير من الحب» فقد رأيت أن أخصك بهذا الحديث عن واحد من أعظم الأساتذة فى كلية طب قصر العينى. الأستاذ الذى نال حب وتقدير آلاف الطلبة عبر أكثر من أربعين عاما.

لست شخصا رومانسيا يجيد التعبير عن المشاعر لكننى سأنقل لك تجربتى الشخصية معه.

كنا طلابا أبرياء فى العام الأول من دراستنا الجامعية. يمكنك أن تتخيل هؤلاء الطلبة الذين خرجوا لتوهم من الثانوية العامة ليلتحقوا بكلية الطب وأحلامهم وآمالهم أمام أعينهم.

فى اليوم الأول يدخل المدرج رجل طويل؛ أصلع الرأس؛ أشيب الشعر؛ يرتدى نظارة ومعطفا أبيض تحته ربطة عنق أنيقة. يدخل ليكتب اسمه على اللوح «د.محمد رشيد بهجت. رئيس قسم الكيمياء الحيوية».

ثم يبدأ فى الحديث. صوت مميز ولكنة أمريكية. يبدأ فى الشرح فيخرج العلم من فمه. علم حقيقى لمادة تبدو معقدة وبعيدة عن اهتمامات الطلبة الذين لا يفهمون قيمة هذه المادة؛ لكنهم يفهمون من هذا الأستاذ الذى يبدو عليه سمت العلماء كما تصورها الكتب.

هل يمكنك أن تتخيل حالة الانبهار التى أصابت هؤلاء الطلبة فى أيامهم الأولى وهم يرون هذا النموذج أمام أعينهم؟!

ينهى الأستاذ الفصل الخاص به بعد عدة محاضرات؛ ليأتى بعدها حفل استقبال الطلاب الجدد مع العميد. أثناء اللقاء يطلب أحد الطلاب أن يستمر د. رشيد فى شرح منهج الكيمياء الحيوية بالكامل فيوافقه كل من فى القاعة بالتصفيق.

المدهش أن الأستاذ يفعلها فعلا!! لكنه يفعلها فى غير مواعيد المحاضرات العادية.

على مدى العام الدراسى بأكمله، كان الأستاذ الكبير يحضر فى السابعة صباحا ليشرح منهج الكيمياء الحيوية بالكامل لطلبة السنة الأولى لمدة ثلاثة أيام أسبوعيا وثلاثة أيام أخرى لطلبة السنة الثانية!!

ينتهى العام الدراسى ويأتى الامتحان صعبا، لكننى لا أبالى! فمعلمى هو د. محمد رشيد بهجت.

فى العام التالى يصل الأستاذ إلى سن المعاش ويتولى أستاذ آخر رئاسة القسم. لكن المعلم لا يتخلى عن دوره. يواصل بنفس الطريقة شرح المنهج لطلبة السنة الأولى والثانية.

فى إحدى المحاضرات يطلب واحد من الطلبة تعديل موعد المحاضرة فيجيب الأستاذ ببساطة: «اتفقوا على اللى انتم عايزينه وبلغونى...أنا باصلى الفجر وأجيلكم».

يشرف العام الدراسى على الانتهاء، قرب نهاية المحاضرة يرسل أحد الطلاب ورقة إليه يشكره فيها، فيتهدج صوت الأستاذ وهو يجيب: «أنا لا أفعل هذا إلا ابتغاء مرضاة الله عز وجل».

ينتهى العام الدراسى وتنتهى علاقتنا بالكيمياء الحيوية فى كلية الطب. لكن حكاية د. محمد رشيد بهجت لا تنتهى. يستمر الأستاذ على نهجه فى شرح منهج الكيمياء الحيوية فى السابعة إلا الربع صباحا لطلبة السنة الأولى والثانية لمدة خمسة عشر عاما لا يمنعه إلا مرض قاهر

■ ■ ■

فى الثامن والعشرين من سبتمبر من هذا العام توفى إلى رحمة الله العالم والأستاذ محمد رشيد بهجت حفيد الشيخ محمد رشيد رضا، ليبكيه الآلاف من أبنائه الذين رأوا فيه نموذجا وقدوة قل أن ترى مثلها.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق