اخبار اليوم حديث عن الرق.. والحبيب!

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

فى برنامجه المتميز «ممكن»، أثار الإعلامى خيرى رمضان فى أمسية مع الحبيب على الجفرى ما كنا قد أثرناه معا فى أمسية سبقتها، حول عدم تحريم الرق فى الإسلام، فليس فى القرآن نص واضح، أو حديث صحيح يحرم الرق. وللإنصاف كل الأديان لم تحرمه، لأن الرق ظاهرة اجتماعية فرضتها ضرورة اقتصادية يصعب منعه، وتحريمه يعنى إما الصدام أو الخصام. وما يسرى على الرق يسرى على ملك اليمين، عادة متأصلة ومتعة لا استغناء عنها.

الظاهرتان وجهان لعملة واحدة ومصدرهما واحد. كان رد الحبيب أن الإسلام قد أغلق جميع مصادر استجلاب الرقيق عدا مصدرا واحدا، وهو رق الحروب، وفتح أبواب العتق، وبهذا يكون تشريعا متدرجا، وحلا حصريا للإسلام للقضاء على الظاهرة. ونبدأ حديثنا بالآتى:

كانت الحروب هى المصدر الرئيسى للاسترقاق، وكان مصيرا حتميا للمهزوم، منهم من يؤسر للعمل، ومن تؤسر للمتعة، وبينهما مساحة للبيع والشراء، وكان توزيع الأسرى على الأعمال حسب قدرة العبد على التحمل، وتوزيع السبايا على قدر جمالهن، فالأسرى الأشداء للزراعة والرعى- أقل الأعمال شأنا، ولا يصلح لهما سوى العبيد. أما السبايا فيوزعن على قدر حظهن من الجمال، فالجميلات لملك يمين سيدها، والأقل حظا للعمل فى البغاء لصالحه، والبقية الباقية منهن للخدمة فى البيوت، ومن هنا نشأت تجارة الرقيق لمن زاد عن الحاجة أو لفك العسر.

وكان من عادة العرب قديما فك أسر العبد لأسباب عدة، منها الرهان أو كفارة اليمين أو الوعد، فهذا حكيم بن خويلد أخو السيدة خديجة أعتق مائة عبد قبل الإسلام، وفى الديانة اليهودية (ومنها المدينة ومكة) تحدد مدة العبد العبرى بست سنوات، ويعتق فى السابعة، ومعه زوجته وأولاده إن كان متزوجا قبل أن يدخل فى الرق، ويعتق دون زوجته وأولاده إذا تزوج بعد الرق.

ولما جاء الإسلام أباح امتلاك العبيد بالشراء أو السبى أو الدين، أو الحروب، وليس هذا تشريعا دائما، بل وافق ما كان معمولا به قبل الإسلام، ومنها مثلا (طقوس الحج كاملة، وكثير من العادات، ومعظم الحدود) حتى لو كان هذا ضد رسالة الأديان الرئيسية، وهى تحرير الإنسان من الرق، ليصبح الإنسان حرا فى اختياره، فالعبد دائما على دين سيده.

السبايا كنّ قبل وبعد الإسلام لمتعة الرجال سواء كن مسلمات أو غير مسلمات، بل أحل البعض إكرام الضيف بهن، وكان لا يجوز فى الجاهلية وطء المسبية المتزوجة، واستمر العمل بهذا بعد الإسلام، حتى أجيز لهم وطء المسبية المتزوجة، وكان زوجها حيا، ولقد أحل عرب الجاهلية دم العبد الهارب والمارق من سيده، وفى الإسلام إذا هرب العبد المسلم، فهو كافر حتى يعود، ولا أدرى لماذا؟ فربما يكون مظلوما أو مقهورا. وأسواق النخاسة كما كانت فى الجاهلية كانت بعد الإسلام، سواء فى مكة أو خارج حدودها، ولقد أرسل الرسول سعيد بن زيد الأنصارى بسبايا بنى قريظة إلى نجد، فابتاع بثمنهن سلاحا وخيلا، واختار لنفسه ريحانة بنت عمرو إلى جانب ما يمتلك منهن.

يا سيدى الحبيب: هذه مقدمة لا بد منها لمعرفة الجو العام للظاهرة الاجتماعية، كيف نشأت وكيف تعامل الناس معها، وكيف كانت تأخذ منحى خاصا للخلاص منها، كما تخلصت الإنسانية من أكثرها وحشية تبعا لسمو الحس الإنسانى، على أن نهايتها ليست من عمل الأديان، بل ظواهر تتغير وفقا لمتغيرات تفرض نفسها، فليست المنافذ المفتوحة المتعددة قد أنهت ظاهرة الرق، ونستعرض منها كفارة اليمين (... فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبة) والتحرر من الظهار (والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وأيضا فك رقبة لاقتحام العقبة الكبرى للوصول إلى الجنة (فلَا اقْتَحم الْعَقَبَة وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَة فكُّ رَقَبَةٍ﴾ والقتل الخطأ و(مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. والأخيرة مصدر من الزكاة للمسلم فقط وفك قيد الرق عنه (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ).

فليس سد مصادر الاستجلاب عدا مصدرا واحدا، وفتح منافذ العتق قد صرف كل الرصيد المخزون المتراكم، بل زاد المخزون أكثر، لأن المنفذ الوحيد الذى أبقى عليه وهو أسرى الحروب قد اشتعلت بالغزوات بعد الرسول فى عهد الخلفاء والأمويين والعباسيين، وكان أوسع مئات المرات من المصادر التى أغلقت، وصل الأمر إلى أن السبايا والرقيق اكتظت بهم بيوت الأمراء والخلفاء والسادة حتى العامة مئات المرات عما كان سابقا، ونتساءل عن عدد العبيد والسبايا فى بيوت الخلفاء والأمراء والسادة بعد غلق المنافذ وفتح أبواب التسريب، وأسال فضيلتك عن صحة حديث عتق إحدى أمهات المؤمنين لأربعين عبدا فى يمينٍ ردتها.

الأمر ببساطة أن الظواهر الإنسانية أو الطبيعية ليس من المفروض أن نصدّرها للإسلام، بحثا عن إجابة ربما لا تتفق مع الواقع، لكن الظاهرة الإنسانية تنشأ عند الضرورة وعند الحاجة واللزوم، وينهيها الحائل والمانع، وكما أنشاتها ضرورات الحياة، وأوجدتها، تقوضها حين تستكفى، وتستغنى، وتقضى مهمتها، وليس هذا بأمر دينى على الإطلاق، وعلى شاكلتها كافة الأحكام الوقتية، وأولها حكم الجهاد، وأحكام أخرى مهمة الأجيال القادمة.

(أعتذر عن الخطأ فى مقال الأسبوع الماضى «الوهابية البداية والنهاية» لم أقصد عطف الشيعة على غير المسلمين، لكن العطف كان على المسلمين وهو خطأ لم أنتبه إليه).

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق