اخبار اليوم مواجهة الأزمات.. وتبادل الاتهامات!

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

■ فلسوف نؤذن، حتى لو كنا فى مالطة، خاصة عندما تواجهنا الأزمات وتتصاعد، وفى كل مرة نقابلها بردود الفعل والشعارات وتبادل الاتهامات فى محاولة للإفلات من المسؤولية والمساءلة.. وتمضى السوابق ولا نتعظ منها، وتطل علينا آفة النسيان فى كل مرة، ونتجاهل معها الأسباب الحقيقية التى تسببت فى إحداث تلك الأزمات وتكررت، ونفتقد مواجهتها بالموضوعية والأمانة والعلم والخبرة، ولا يعفينا من المسؤولية أن تكون تلك الأزمات والأحداث قد وقعت وتكررت فى عهود سابقة، ولم يكن المسؤولون الآن فى موقع المسؤولية وقتها، فقضايا الوطن وتاريخه حلقات متصلة تُلقى بالمسؤولية على كل من يقبل تحملها فى أى وقت، فهل أصبح ذلك الأسلوب فى مواجهة الأزمات شريعة ومنهاجاً؟! انتبهوا أيها السادة.. فلسوف تُسألون كل يوم عن تلك الأمانة العظيمة!!

■ أضرب مثلاً على ذلك بكارثتين.. الأولى كارثة مركب رشيد، التى راح ضحيتها حتى الآن 202 مواطن مصرى، بعد أن تم انتشال حطامها الثلاثاء الماضى، ومازال البحث عن باقى الجثث مستمراً، وهى كارثة كبيرة، أما الأخرى، وكانت سابقة عليها، كارثة التليفزيون المصرى الذى أذاع حواراً قديماً للرئيس أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، فأحدث ذلك الإخلال الجسيم بواجبات الأمانة دوياً هائلاً.

■ والكارثة الأولى غرق فيها أعداد كبيرة من المواطنين أثناء محاولتهم الخروج من البلاد بطريقة غير قانونية، وقد وقع الغارقون فى براثن سماسرة وتجار الهجرة غير الشرعية، الذين يروجون للفقراء والبسطاء أحلاما وهمية عن الحياة والرزق، والكارثة أنها لم تكن الحادثة الأولى، كما أنها لم تكن مفاجأة، فلدينا العديد من هذه الكوارث على مدى عشر سنوات فقط، فى التاريخ المعاصر، ففى نوفمبر من عام 2007 لقى 147 شاباً مصرعهم بالغرق قرب السواحل الإيطالية، وبعدها بأيام غرق مركب آخر قرب جزيرة كريت اليونانية وعلى متنه نحو مائة شاب، وفى يونيو 2008 لقى 40 شاباً مصرعهم غرقاً ونجا شخصان تم انتشال أحدهما من المياه، وكان القارب على متنه 150 شخصاً بينهم 50 مصرياً.. واعتبر نحو 100 شخص فى عداد المفقودين، وفى مارس 2009 انطلق قارب من سواحل محافظة كفر الشيخ أيضاً وغرق به 10 أشخاص، وتم القبض على 24 شخصاً، وفى يونيو 2011 أنقذت القوات البحرية المصرية 81 مواطناً قبل توجههم للهجرة على متن مركب صيد أمام سواحل الإسكندرية، فى محاولة للهجرة إلى إيطاليا، وفى أغسطس 2012 انتشلت القوات البحرية المصرية ضحايا هجرة غير شرعية أمام السواحل الليبية، غرق 39 شخصاً ونجا 33 آخرون، منهم ثلاثة من المصريين، وفى أكتوبر 2013 غرق 12 شخصاً قرب سواحل الإسكندرية انقلب بهم مركب الهجرة فى البحر، وكان على متنه مائة شخص كانوا فى طريقهم للسفر إلى إيطاليا، وفى يوليو 2014 غرق مركب هجرة على متنه أكثر من 56 شخصاً معظمهم مصريون، وفى مايو 2015 أنقذت السلطات المصرية 31 شخصاً وغرق ثلاثة من جنسيات مختلفة، وفى أكتوبر من نفس العام أعلنت السلطات المصرية انتشال 10 جثث من البحر الأبيض بمنطقة البرلس، وتم إنقاذ 25 آخرين بعد سقوطهم فى المياه أثناء سفرهم، وفى إبريل من هذا العام غرق 12 شخصا أثناء هجرتهم إلى أوروبا، بينهم 3 أطفال و3 سيدات، وكان على متن المركب 105 أشخاص من جنسيات مختلفة، بينهم 18 مصرياً، وفى شهر يونيو 2016، أى نفس هذا العام، انتشلت القوات البحرية 31 شخصا من جنسيات مختلفة، وعثروا على 9 جثث مختلفة، بينها جثة لسيدة مصرية، وكان على المركب 600 شخص بمياه البحر الأبيض المتوسط.

■ لكن الخميس الماضى من سبتمبر من ذات العام وقعت الكارثة الثالثة فكانت أعظم.. إذ ارتفع عدد الضحايا إلى 202 قتيل، ولايزال البحث عن باقى الجثث مستمراً!! أى أننا أمام كوارث متكررة من طبيعة واحدة.. والأزمات فيها تتصاعد، وفى كل مرة نواجه الأزمة بالكلام واقتراح تشديد العقوبة.. والصراخ.. والوعيد.. وتمر الأيام ويبقى الحال على ما هو عليه!!

■ لكن الفارق هذه المرة أن الحكومة تقول لنا إنها مسؤولية مجلس النواب الذى لم يُقر مشروع قانون الهجرة غير الشرعية، رغم أن المشروع قد أحيل إليه منذ يونيو الماضى!! وكأن الحكومة تنفض مسؤوليتها وتلقى بها على مجلس النواب، لأنه لم يناقش مشروع القانون.. ومجلس النواب ينفض هو الآخر مسؤوليته، ويحتج بازدحام جدول أعماله، وأنه كان غارقاً فى مناقشات ومشروعات قوانين عديدة، كان منها قانون ترميم وبناء الكنائس، كان الله فى عونه، ومع ذلك سرعان ما يسابق الزمن فى محاولة لإخفاء حمرة الخجل فيدعو اللجان للاجتماع، وهو فى غير دور الانعقاد لتبشرنا بالموافقة على المشروع، يوم الثلاثاء الماضى، للعرض على مجلس النواب فى بداية دورته الجديدة، وكأن مواجهة الكارثة يكفى لها إصدار القانون وتغليظ العقاب، وهى آفة تكشف عن أزمة صناعة التشريع فى مصر.. واستسهال حل الأزمات والمشاكل بالتشريع، رغم أن التشريع وحده لا ينهى المشكلة، ويقتضى الأمر البحث عن أسبابها الحقيقية من الخبراء والعلماء لمواجهتها من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ليأتى التشريع أخيراً فيضع كل هذه الاقتراحات فى نصوص قانونية واضحة، وبعد أن يصدر القانون تأتى مرحلة التنفيذ بكل صرامة.. وجدية.. ومسؤولية.

■ كل هذا يحدث يا حضرات ولدينا وزراء.. وحكومة.. وأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدنى منشغلة بمسائل أخرى.. ولدينا أيضاً برلمان غارق فى الاتهامات وضياع الوقت ولا يتحرك إلا بعد حدوث الفعل.. وبرد الفعل.. وبعد الأوان.. ولا يتعظ أحد من كل هذه السوابق والكوارث والأزمات.

■ أما عن المثل الآخر فى مواجهة الأزمات وردود الأفعال بذات المنهج والأسلوب، حدث ذلك أيضاً بالأمس القريب، عند إذاعة حديث الرئيس فى التليفزيون المصرى.. خلال رحلته الأخيرة إلى الولايات المتحدة.. إذ تمت إذاعة حديث قديم بمنتهى الإهمال الجسيم واللامبالاة، بعدها قامت الدنيا ولم تقعد، وتحركت الجهات للتحقيق.. وانعقدت لجنة الإعلام بمجلس النواب لبحث مشروعات قوانين الإعلام لمواجهة الأزمة.. بردود أفعال سريعة.. وزفت إلينا اللجان الخبر بأن قوانين الإعلام سوف تعرض مع أول انعقاد لمجلس النواب.. والسؤال: أين كنا؟! وكيف أصبحنا؟! ولدينا الدستور الذى أفرد فصلاً كاملاً للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، تقوم كل منها على تنظيم شؤون الإعلام بما يضمن تطويرها وتحديثها واستقلالها وحيادها بأداء مهنى وإدارى رشيد.. وقد كانت أيضاً من الأولويات لمواجهة مثل هذه القضايا والأزمات.. لتصويب رسالة الإعلام فى تلك المرحلة المهمة من تاريخ الوطن.

■ حقاً إنها أزمات تحدث فى البلاد توجب بذل الجهود الصادقة.. بالعمل الدائم والخبرة العالية والاستفادة من السوابق.. والاتعاظ من الدروس والأحداث.. وتحمل المسؤولية الوطنية لمستقبل البلاد قبل فوات الأوان، ومع ذلك تعودنا أن نواجهها بمرض فتاك والتحرك بعد الأوان وتبادل الاتهامات.. ومازلنا نؤذن فى مالطة!!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق