اخبار اليوم حرب الرز والفول

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

(1)

عاهدت نفسي وزملائي، أن أخصص هذه المساحة لقضايا «الثقافة والأدب»، واخترت أن ابتعد عن الاشتباك السياسي المباشر لأسباب عدة، من بينها محاولة تهيئة مناخ موضوعي لكتابة عاقلة وتحليلية، لأن الكتابات الهجومية والنقدية «زروطت الدنيا» واستهلكت نفسها، ولم تعد تؤثر بشكل إيجابي لا في السلطة ولا في الشارع، وبرغم ذلك أشعر في كثير من الأحيان برغبة جارفة في الاشتباك، بل والهجاء المقذع، وأبرر ذلك لنفسي بأنه الأسلوب المناسب للتعامل مع قضايا «الجهل وقلة الأدب»، فالمرحلة مرتبكة، والتخبط يطيح بأي رزانة وتعقل، لذلك يبدو مقالي أحيانا موزعاً بين العقل والجنون، بين الثقافة والغشم، بين الأدب وعدمه.. ولا بأس أن يفسر كل منكم كلمة «عدمه» كما يخطر على باله، فهي تبدأ من «السياسة» كنقيض كلاسيكي للأدب، وتنحط إلى «النذالة» و«السفالة» كمرادفات شعبية لمعنى «قلة الأدب».

(2)

تابعت بأسى و«قرف» حملة التلاسن المتبادل بين السعودية ومصر، بعد تصويت القاهرة لصالح المشروع الروسي بخصوص سوريا، وهو تصويت إجرائي لم ولن يغير الحقائق في ميدان الحرب، لكنه يكشف المواقف المكشوفة مسبقا، وبالتالي فإن مصر لم تفاجئ أحداً، لا في الشرق ولا في الغرب، بموقفها من سوريا، لكن الذي حدث أن هناك من تصور أن مصر سقطت إلى درك التبعية غير المشروطة، وصار من العادي أن تأكل بثدييها، وتبيع ثوابتها لمن يدفع، ومن هذه النظرة المتدنية لمصر اندلعت «حرب الرز والفول».

(3)

صحيح أن المستويات الرسمية لم تتورط بشكل مباشر في التلاسن، ولم تكشف عن «قبحها الكامن» في ممارسات الضغط: بوقف نفط، أو قطع معونات، أو جفاء إقليمي على سبيل العناد والانتقام، لكن «الأقنعة» تحدثت نيابة عن «الوجوه»، وقامت الأقلام والأصوات المعبرة عن النظام في البلدين بتوصيل الرسائل التي وصلت إلى تحريض السعودية على اتخاذ اجراءات «لتركيع مصر» وطرد مواطنيها العاملين في المملكة، بالإضافة إلى عبارات التخوين والمن: السيسي خدعنا بعد أن أخذ أموالنا.. واللي اشتريناه بالرز باعنا بالفول.. إلى آخر مفردات التلاسن الذي تفتح له الكتائب الاليكترونية الباب، ليتحول إلى سيل جارف من البذاءات على مواقع التواصل.

(4)

بكل صراحة، لا أعتبر نفسي داعية أخلاقي، ولا يعنيني حجم ونوعية النقد للأنظمة العربية جمعاء وللمسؤولين في هذه الأنظمة أيا كانت درجاتهم ومواقعهم، فهم يستحقون الأسوأ ويقبلون به عادة، لأنهم يعرفون ما يفعلون، ونافخ الكير لا ينتظر أن تحدثه عن وسامنه ونوع عطوره، المشكلة بالنسبة لي أن نقد الأنظمة تجاوز اسوار القصور، وصار يهدد العلاقات الشعبية بين أقطار لم يكن لها ميزة غير اشتراكها في اللغة، وفي الهدف، وفي الأمل بغد أفضل، فإذا بأنظمة الفشل والخراب تورثها العداوة والتلاسن والبغضاء، وهذا ما يؤلمني بصدق، لأن المواطن العربي في أي مكان يعاني من نفس الظلم والقمع والتهميش الذي يعاني منه شقيقه تحت حكم نظام (تابع.. فاسد.. عميل لقوة أكبر خارج حدوده) وهذه سمات اصيلة في كل الأنظمة الحالية، ويمكن أن نضيف إليها سمات فرعية تميز كل نظام عن غيره من الأتباع.

(5)

* إذا كنت ممن يهاجمون الأنظمة بأغلظ الألفاظ، واستخدم اللغة الخشنة في النقد السياسي، فلماذا إذن أتصنع الأدب والخشية، وأكتب هذه الملاحظات؟

(6)

أكتب لأوكد وحدة الشعوب العربية في الهم والظلم والتعرض للسرقة والقمع وعدم المساواة.. أكتب لأكشف خديعة تصويرنا باعتبارنا «أبناء الأنظمة» ولسنا «أبناء عروبة ومواطنين»، فأنا مصري كرامة من كرامة مصري، ولست تابعا لحكام، ولا كرامتي من كرامة الحاكم، وبالتالي فإن نقدي للنظام السعودي، ليست عداء مع المواطن الحجازي، وربما تكون التقاء معه وتضامنا مع قضاياه.

(7)

يا أخوتي في مصر، وفي الخليج، وفي العراق والشام وشمال أفريقيا، وفي القرن الأفريقي/ نحن لسنا أعداء، وخريطة المحبة والنضال التي تجمعنا لا علاقة لها بمصالح وخصومات الأنظمة، فأنظمتنا لا تجيد التنسيق إلا ضدنا، ولا تفكر إلا في سرقتنا وقهرنا، فانقدوا الأنظمة داخل حدودكم وخارجها ما استطعتم، لكن إياكم وتشويه علاقة الشعوب أو التهاون فيها، فهذا حصننا الأخير.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق