اخبار اليوم مئوية ميلاد الشيخ عوف

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

صمد للعصا الجريد «من جريد النخيل» ولتقشير عيدان البوص، وكنس الأرضية الطينية لكتاب- مكتب تحفيظ القرآن- سيدنا وداره، فأفلت مما لم يفلت منه معظم أقرانه، ومنهم أخواه الأكبر منه والأصغر؛ إذ لم ينتظم فى الذهاب للغيط ساحبًا البهائم فى الصباح المبكر وعائدًا بها عند الغروب، وإن لم يعفه حفظ القرآن الكريم والانتظام فى المعهد الأزهرى من المساعدة فى الفلاحة، فعرف كيف يمسك بالمحراث ويخطط الأرض، وعرف كيف وأين تبذر البذور ومواعيد الرى، وأجاد ركوب الخيل، وأتقن كيفية فرز ما سيشترى من أنعام من سوق المواشى!

أتحدث عن أبى الذى مرت مئوية ميلاده، يوم 8 أغسطس، ولم يكن لى أن أتذكرها إلا بعد أن نشر أخى الأصغر عصام صورة للوالد بمناسبة مئوية ميلاده فى عام 1916، وهو مثل ملايين الآباء من الفلاحين وغير الفلاحين، غير أن إلمامى بكثير من ظروف الميلاد والنشأة والمسار قد يكون سببًا كافيًا لكتابة كاتب عن أبيه!، وإشغال القارئ، بما قد لا يفيده!

كان الحفاء هو السائد، ولذا كانت ضخامة القدم وسمك جلده وتشقق الكعوب سمة سائدة عند الجميع، نساء ورجالاً، وكانت النساء تتغلب على ذلك بالشمع الإسكندرانى والحجر الخفاف، الذى كان اسمه الشائع فى منطقتنا وسط الدلتا آنذاك «الكحكيحة»- من حك الجلد- وكان مصدرها هو قمائن حرق الطوب، حيث تصل الحرارة المتلظية فى الفحم الحجرى المشتعل فى قلب وجوانب القمينة لدرجة تصهر بعض قوالب الطوب النيئ المصنوع عادة من خلطة الطمى والتبن والروث والماء، ثم يصب الخليط الطينى الطرى فى قوالب خشبية مقاسها الشائع آنذاك هو حوالى 22 سنتيمترا طولاً واثنى عشر عرضًا وسبعة ارتفاعًا، وكانت أشهر مصانع الطوب الأحمر- أى المحروق- تقع على شاطئ فرع رشيد، وخاصة فى قرية الفرستق، وبعض المصانع تختم كل طوبة بخاتم غائر يحمل اسم أصحاب المصنع، ومن أشهرهم على أيامنا «موسى ومكاوى عيسى»! وقد لحقت الألف طوبة وثمنها «وصال»- أى مع النقل- ثلاثة جنيهات إلا ربعا!

كانت الأحذية التى تلبس لمن يملكون ثمنها تبدأ «بالحدوانة»، وهى مداس أقرب للشبشب الذى فى مقدمته دائرة لدخول إبهام القدم.. ثم «البلغة»، وهى أنواع أشهرها ما كان يصنع فى «فاقوس»، تليها الإسكندرانى، وبعدها ما كان يصنعه الجزمجية المحليون فى كل قرية.. وفى القمة يأتى «المركوب» ومنه «المركوب النجمى»، الذى اشتراه جدى الحاج محمد لابنه الذى سيتجه بعد أيام للمعهد الإبراهيمى- نسبة لسيدى إبراهيم الدسوقى- الأزهرى فى دسوق، التى تقع شمال قريتنا بحوالى اثنى عشر كيلومترا!.. وذهب عبدالرحمن، وكان اسم شهرته «عوف»، وأصبح بعد حفظ القرآن والقبول بالمعهد «الشيخ عوف»، وبعد دخوله بسنة تقريبًا، كان عليه أن ينتسب لمذهب فقهى يتلقى دروسه فى باحة المسجد الإبراهيمى، فاختار مذهب الإمام مالك- رضى الله عنه.. وبالصدفة خدمه هذا الاختيار فيما بعد إذ كان أحد عوامل تسهيل قبوله خطيبًا أو مشروع عريس لمن كان والدها عمًا لأبيه، وكان كبير العائلة «الجمالين»، لأنه كان فقيهًا وتاجرًا، وعندما جلس عبدالرحمن ينتظر استيقاظه من قيلولته ليتلقى منه دروسًا فى الفقه، إذا بالصغير يفاجأ بسؤال مباشر بعدما صلى العم الكبير العصر وسلم التسليمة الثانية:

من أنت؟ فأجابه، ثم: فى أى سنة دراسية؟ فأجابه: ثانية ابتدائى فى معهد دسوق.. وكان السؤال الثالث: «ما مذهبك فأجاب من فوره: مالكى، وجاءت انفراجة التجهم.. طيب.. الله يفتح عليك.. أنا أيضًا مالكى!

فى دسوق التى كانت تعز المواصلات إليها فيقطع الناس الكيلو مترات مشيًا حفاة، أو على ظهور الدواب سكن الشيخ الصغير فى حجرة مع أقرانه، وأول ما قلدهم فيه هو دق عدة مسامير فى الحائط الملاصق للكنبة البلدى التى سينام عليها.. مسماران لفردتى المركوب النجمى.. ومسمار للكاكولة ومسمار للعمامة، التى علمه كيف يلفها أحد القدامى بأن يضع الطربوش المغربى الأحمر ذا الزر الأزرق على ركبته المثنية ثم يفرد الشال الأبيض ذا الشراشيب الدقيقة، ويلفه على الطربوش دائريًا فوق ركبته، ثم يفرد الشراشيب بأطراف أصابعه المبلولة بلعاب خفيف!

وكانت معظم المعاملات عينية.. يعنى صحون الصاج المغطى بالمينا الملونة ودوارق الزجاج الشفاف والملاعق المعدنية طويلة اليد وأكواب وبرادات الشاى الصاج المغطاة أيضًا بالمينا تشترى مقابل أرز أو ذرة أو ردة!.. ولذلك كانت النقود شحيحة وكان الريال والبريزة والشلن والنصف فرنك والقرش صاغ الأحمر المشرشر أو المخروم والتعريفة ونصف التعريفة أى مليمين ونصف، ثم المليم الأحمر.. وكلها ملك.. وكتابة والملك إما حسين كامل.. أو فؤاد أو فاروق!

وكانت المرأة الحديدية المتحكمة فى اقتصاد الدار كله هى الحاجة حليمة، التى طالما كتبت عنها، وكان الشيخ الصغير ينبئها بموعد سفره لدسوق ومن بعدها طنطا، حيث أهم المعاهد الأزهرية فى المحروسة كلها المعهد الأحمدى، الذى حصل منه على الثانوية الأزهرية.. فلما ينبئها تعد السلالى (السلة) المصنوعة من شقائق نبات البوص وفيه الزوادة، ثم تخرج المنديل المعقود على الفضية، وتبدأ فى فرزها إلى أن تصل للبريزة، أى عشرة قروش وتنفحه إياها، فيظهر الرضا والرجاء والزعل على وجهه، فلا تعيره انتباهًا، ويحمل (السلالى)، ويمضى أسفًا فما إن يبتعد قليلاً فى السكة الضيقة التى تحدها البركة (المستنقع) من جانب ومقابر أبوالفتح من جانب آخر حتى يسمع صوتها تنادى عليه بعزم قوتها: تعال!.. فيعود لتفك عقدة المنديل وتفرز الفضة ثانية وتمنحه شلنا إضافيا فيقبل يدها القمحية المخضبة بالوشم الجميل! ويتجه لدسوق وهو ونصيبه إذا كان موعد مرور الشركة، أى الأتوبيس الذى كان يمر مرة أو مرتين حسب الظروف وأحيانًا لا يمر بالأيام، إذا كان وحل الشتاء قد غطى الطريق الترابية الممتدة من طنطا إلى دسوق!

فإذا لم يمر يأخذها مشيًا إلى قرية محلة دياى، بلد الشيخ دراز، ليستقل مركبًا- سفينة شراعية متجهة إلى دسوق مرورًا بقرى الصافية وكفر مجر ومحلة أبوعلى ودمنكة ثم دسوق، وحيث تظهر على البر الغربى مدينة رئيسية هى شبراخيت، وبعدها مجموعة قرى أبرزها قرية كبيرة هى مَرْقَص- ميم مفتوحة وراء ساكنة وقاف مفتوحة- حيث ضريح سيدى أبوالمجد، والد سيدى إبراهيم الدسوقى!

وعند عودته فى الإجازة الكبيرة من دسوق يكون مولانا الصغير قد ادخر من البريزة والشلن، ما يكفى ليحمل عند عودته كمية مما اشتهرت به دسوق: الفسيخ والسردين.. والحلاوة الشعر- وهى نوع من الحلوى شديدة الحلاوة، هش الهيئة أقرب إلى غزل البنات، وتشتهر بصناعته أسرة الصردى، وأيضًا الحلاوة الطحينية التى كانت تباع فى علب من الصفيح اللامع وكل علبة حسب وزنها، وأحيانًا عيدان قصب السكر، وخاصة من سلالة خد الجميل، الذى كان عوده طويلا ضخما وقشرته الخارجية مقلمة بلونين- الأحمر القانى والأبيض الكالح!.. ولذلك سمى خد الجميل!

ونجح الشيخ عوف فى المرحلة الابتدائية كلها، لينتقل إلى طنطا، حيث معقل العلم والثورة فى المعهد الأحمدى الذى كان هو ومعهد الزقازيق وحدهما يضمان المرحلة الثانوية الأزهرية.. فى الدلتا والوجه البحرى.. وكان معهد الإسكندرية بعيدا إلى حد كبير!

وفى طنطا وصل الشيخ عوف للسنة الرابعة الثانوية فقرر أبوه الحاج محمد أن يزوجه من تلك الفتاة التى سأله أبوها زمان عن مذهبه، وكانت وحيدة على ستة أشقاء ذكور، عدا أخوين غير شقيقين كانا أسبق فى التعليم، أحدهما كان رئيس المحكمة الشرعية بالإسكندرية، والثانى استقر به المقام فى أسيوط ليؤسس فرعا جماليا كبيرا هناك، وله قصة تستحق أن تسجل، لأن فيها طرفا من سيرة ثورة 1919 ومن سيرة بهى الدين باشا بركات وأخيه فتح الله باشا بركات!.. وتزوج الشيخ من أم أولاده.. أمى، وكان عمرها ثلاثة عشر ربيعا عام 1940 وعاشا زوجين حتى وفاته عام 1988 وبقيت مرحلة القاهرة، حيث كلية الشريعة والحصول على الشهادة العالية، ثم العالمية والتخصص فى التدريس والتلمذة على أفذاذ عظام.. الشيخ محمود شلتوت والشيخ أبوالعيون والشيخ اللباد، والد الفنان الصديق الكبير محيى الدين اللباد- رحمة الله على الجميع!!

ولأن المساحة ضاغطة، ولن تحوز القصة مساحة مماثلة لغيرها من القصص، فإننى أتوقف متضرعًا لله: رحمة الله عليك يا أبى.


[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق