اخبار اليوم الرئيس والحكومة.. وتفاوت السرعات

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

فى حالة الدولة المصرية كما هو الحال فى الرياضة، لا يمكن الفوز واعتلاء منصات التتويج ولا حتى مجرد المنافسة مع الآخرين، إذا كان رئيس الدولة يركض بسرعة والحكومة بطيئة، متثاقلة كسلحفاة أو كبطة عرجاء، هذه الحالة من تفاوت السرعات إذا ما استمرت أو استمرأها البعض فلن تسمح للدولة المصرية، مهما بذلت من جهد، بأن تحجز لها مقعدا فى زمرة الدول العشرين الكبار فى العالم، وسنبقى، فى أحسن الحالات، فى هوامش دول العالم التى كان بعضها خلفنا وبعضها يركض معنا فى مضمار التقدم، ثم ما لبثت هذه وتلك أن تجاوزتنا، فيما لا نزال، بفعل تفاوت السرعات بين الرئيس والحكومة، نلف بلا انقطاع وعلى مدى أكثر من ستين عاما فى الدائرة الجهنمية المغلقة للدول النامية.

وأكثر ما يدهشنا فى هذه الحالة المصرية هو تباهى البعض بتفوق الرئيس على الحكومة فى معدلات الأداء والسرعة فيما ينبغى!، وعلى العكس من ذلك تماما إدراك الخطورة البالغة لحالة تفاوت السرعات هذه على الدولة المصرية كما على الرئيس نفسه.

وليس مطلوبا ولا مرغوبا من الرئيس المصرى أن يحطم وحده الأرقام القياسية، لا فى سباقات السرعة، ولا فى حمل الاثقال أو أى من الرياضات الفردية، لأن إدارة شؤون الدول تنتمى إلى ما يمكن أن نسميه تجاوزا «رياضة» السياسة الجماعية والمجتمعية: الرئيس، الحكومة، البرلمان.. والشعب الذى ينبغى تغيير ثقافته وسلوكه ليكون لاعبا أساسيا وشريكا معتبرا وليس مجرد متلقٍ متابع ولا متفرج مفعول به.

ولما كانت ظاهرة تفاوت السرعات بين الرئيس والحكومة على قدر كبير من الأهمية والخطورة، فإنه بات من الضرورى تحديد الجهات التى تتحمل المسؤولية السياسية عن إنشاء واستمرار أداء الحكومة على هذا النحو، ومنعا لأى التباس أو تلعثم، فإننا نحتكم إلى المادة 146 من الدستور، والتى حصرت هذه المسؤولية السياسية فى ثلاث جهات هى: رئيس الجمهورية، الذى يختار وحده و«يكلف رئيسا لمجلس الوزراء بتشكيل حكومة»، والبرلمان أو مجلس النواب، الذى يمنح أو يحجب الثقة عن هذه الحكومة، والضلع الثالث المسؤول عن هذه الحالة هو الأحزاب، لأن الدستور ينص على أنه إذا لم تحصل الحكومة على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب، فإن «رئيس الجمهورية يكلف رئيسا لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب». ورغم هذه الصلاحيات الدستورية النظرية الممنوحة للبرلمان والأحزاب، فإن الحكومة الحالية تبقى بالأساس حكومة الرئيس، هكذا كانت منذ حكومة اللواء محمد نجيب الأولى فى 8 سبتمبر 1952 وحتى حكومة شريف إسماعيل فى 2016 وما بينهما. ويبدو أن هذا الأمر من الآثار التاريخية المتوارثة من زمن الأسر الفرعونية امتدادا إلى زماننا الراهن.

ولكونها حكومة الرئيس، فإن تفاوت السرعات بين جهده وأدائه، وجهد وأداء حكومته يحسب عليه وليس له، ويخصم من رصيده ولا يضيف إليه، وهو بحكم التفويض الممنوح له شعبيا ورسميا يمكنه، إذا رغب، أن يغير هذا الوضع، ويحيل «مومياء» هذا النظام السياسى المصرى الموروث إلى التابوت اللائق به فى متحف التاريخ.

لكن الأحزاب والنخب تتحمل بعد الرئيس المسؤولية أيضا عن هذه الحالة السياسية، فهى فى أغلبها إما فروع لمستثمر أو لشركة، أو هى أحزاب للعائلة والأسرة، وطبيعى أن تفتقد مثل هذه الأحزاب أى علاقات ديمقراطية داخلية، أو قواعد شعبية واسعة، وتنسحب العلاقات «الأبوية » السائدة فى الدولة على الأحزاب سواءً بسواء، ولا يمكن لهذه الأحزاب إذن أن تنتج كوادر سياسية - تكنوقراطية، قادرة على تشكيل حكومة بديلة، وفقا للمادة 146 التى افترض الدستور نظريا إمكانية اللجوء إليها إذا لم تحصل حكومة الرئيس على ثقة البرلمان أو مجلس النواب.

والحقيقة أن هناك مفارقة مدهشة بخصوص هذا البرلمان، فبينما شارك فقط حوالى 22 % ممن لهم حق الانتخاب فى التصويت لاختيار نوابهم فى هذا المجلس، فإن قطاعات غير قليلة من الشعب المصرى، مع ذلك، ترفع سقف توقعاتها من هذا البرلمان!، ورغم أن الدستور منح هذا البرلمان، نظريا، الحق فى حجب الثقة عن الحكومة وفقا لنص المادة 131، فإن ما لا يزيد فقط على 37 نائبا من أصل 590 نائبا هم كل من صوتوا بـ«لا» لهذه الحكومة، ربما لاعتبار وحيد أو أساسى هو أنها حكومة الرئيس، وهكذا فإن المتاح عمليا ووفقا للواقعية السياسية ولكل ما تقدم هو استمرار هذه الحكومة، وربما استمراء ظاهرة تفاوت السرعات، وأن ينحصر دور البرلمان فى حدود الرقابة المنضبطة على الأداء الوظيفى وليس السياسى لهذه الحكومة، هذا إذا لم تستدع حاجة السياسات العليا تغيير قواعد وحدود هذه اللعبة البرلمانية أو ربما حتى الذهاب إلى خيار حل وتغيير البرلمان نفسه.

هكذا إذن تبدو الآن الصورة العامة لظاهرة «تفاوت السرعات» أكثر وضوحا على ضوء عرض أسبابها وأبعادها وخطورتها. لكن الأكثر خطورة هو أن تتحول ظاهرة «التفاوت» هذه إلى مؤسسة لـ«التفويت» بفعل فاعل وعن سبق الإصرار.. والترصد.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق