اخبار اليوم الدولة وأساطير أخرى!

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ثمة أنواع من الشامبانزى قادرة على التواصل عبر اللغة. رصد العلماء نداءات معينة يستخدمونها لتحذير بعضهم البعض مثل: «هناك أسدٌ قادم»، فإذا سُمع هذا النداء هرع أفراد القبيلة الصغيرة إلى تسلق الأشجار. إنه نوع بدائى من استخدام اللغة، ولكنه يضع علامة استفهام كبيرة على تفرد أبناء البشر بهذه المزية الحاسمة التى يُقال إنها اللبنة الأولى التى قامت عليها الحضارة الإنسانية. فبدون اللغة لا ينشأ مجتمع، وبلا مجتمع تصير الحضارة مستحيلة.

اللغة إذن ليست ميدان تَفَرّدنا، بل الطريقة التى نوظف بها اللغة ونستخدمها هى أصل التميز والتفرد. أقصى ما يُمكن أن يفعله الشامبانزى باللغة هو التحذير من خطر. من شىء قائم وموجود (أسد مثلاً). البشر يستخدمون اللغة للتعبير عن أشياء غير موجودة. عن أفكار ومعان، بعضها حقيقى وبعضها خيالى. نحن نستخدم اللغة للتعبير عن علاقاتنا ببعضنا البعض. من خلالها تتناقل المعارف والمعلومات بشأن من هو جدير بالثقة، ومن لا ينبغى الوثوق به. من يُمكن أن يكون قائداً للقبيلة ومن يتعين قتله أو طرده من المجتمع. تلك المعارف التى تنتقل عن طريق «النميمة» (وهى خِصلة لا أظن أن أى كائن حى آخر يُمكنه منافسة البشر فيها!)- شكّلت الصمغ الذى رسّخ اللبنات الأولى التى قامت عليها المجتمعات الإنسانية.

من خلال «النميمة» بدأ البشر يروون حكايات. الحكايات بعضها حقيقى وبعضها أسطورى. الأساطير تربط البشر ببعضهم البعض. تجعل ممكناً قيام المجتمعات الكبيرة لأنها تُسهل التعاون بين بشر أغراب ولكنهم يؤمنون بنفس الأسطورة. أهم تلك الأساطير قاطبة هى الدولة.

الدولة كيانٌ لا وجود فعلياً له. ليس باستطاعتنا الحديث عن شىء ملموس اسمه دولة، كما يُمكن الحديث مثلاً عن نهر أو بحر أو جبل. الدولة- فى جوهرها- فكرة لا وجود لها إلا فى عقولنا. هى «حكاية خيالية» اخترعها البشر، كما اخترعوا غيرها من الحكايات التى أصبحت فى مجموعها تُسمى الحضارة. تلك الحكاية بالذات أصابت نجاحاً باهراً، حتى إن كل إنسان على ظهر الأرض اليوم يعيش فى ظل دولة.

كل إنسان؟ هل هذا التعميم صحيح؟

الحاصل أن هناك اليوم استثناء صارخا من تلك القاعدة العامة. هناك جماعات كبيرة من السكان فى الشرق الأوسط لم تعد تعيش فى ظل دول. الكيانات السياسية التى كانت تجمعهم انهارت، وبالتالى فقد ارتدوا إلى مرحلة سابقة على «فكرة الدولة». يحدث هذا اليوم فى سوريا واليمن والعراق وليبيا.

ما الذى حدث؟

«الأسطورة» التى تجمع هؤلاء البشر لم تكن بالقوة بمكان، بحيث تحملهم على العيش فى ظل الكيان السياسى الذى يجمعهم. الصمغ الذى أفرزته الأسطورة لم يعُد كافياً ليحفظ اللبنات التى يقوم عليها المجتمع. النتيجة: التفسخ والتحلل والانهيار الذى نشهده.

فى المُقابل؛ تبدو «أساطير أخرى» أقوى وأشد جاذبية. الخلافة الداعشية نموذج واضح لتلك النوعية من الأساطير. بطبيعة الحال، الخلافة الإسلامية فى حد ذاتها ليست أسطورة، بل هى حقيقة تاريخية وحضارية. الأسطورة هى إمكانية استعادة الخلافة أو حتى الرغبة فى فعل ذلك.

المظلومية الشيعية أسطورة أخرى تتمتع بقدر ظاهر من الرسوخ والتغلغل. ما تعرض له الشيعة من ظلم هو حقيقة تاريخية (على الأقل من منظور مُعين للتاريخ الإسلامى). أن تُوظَّف المظلومية بعد قرون لإقامة نظم سياسية وتشكيلات مُقاتلة على أساسها.. تلك هى الأسطورة.

أحد أهم الاختبارات التى تكشف عن مدى قوة الأساطير هو استعداد الناس للموت من أجلها. كُلما رسخت الأسطورة صار الموت ثمناً بخساً لبقائها واستمرارها. عبر التاريخ، قضت أعدادٌ لا حصر لها من البشر بسبب هذه الفكرة أو تلك. دفاعاً عن أيديولوجية ما ضد أخرى.

ربما تكون الدولة هى أكثر الأساطير التى ضحى البشر على مذبحها بالملايين. رغم ما تنطوى عليه تلك الأسطورة من نزعة مميتة ودموية، اختار البشر الحفاظ عليها، بل ما زالت أغلبيتهم الساحقة مستعدة للموت من أجلها. الإنسان فطن أيضاً إلى حلٍ عبقرى للتعامل مع وجهها الدموى وتهذيبه: «أسطورة أخرى» أطلق عليها اسم «الديمقراطية»!

ما سبب تمسك البشر بفكرة الدولة إلى اليوم، رغم ما ارتبط بها من شرور وما علق باسمها من دماء؟ السبب أن البشر اكتشفوا أنها تتفوق على جميع «الأساطير» السابقة عليها، من حيث ما توفره من إمكانيات لتنظيم الناس وإخراج أفضل ما فيهم. الدولة هى أعلى صور التنظيم البشرى وأكثرها كفاءة، على الأقل حتى الآن.

منذ أيام، قالت رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة «تيريزا ماى» فى مؤتمر حزب المحافظين، إن بعض الناس فى بريطانيا يشعرون أنهم أقرب للنُخب العالمية منهم إلى الإنسان العادى الذى يمشى فى الشارع فى بلدِهم. أضافت: «أن تكون مواطناً عالمياً معناه ألا تكون مواطناً فى أى مكان». خطابُها جاء دفاعاً عن فكرة الانتماء والمواطنة. عن عروةٍ وُثقى تربطُ الناس فى المُجتمع ببعضهم البعض. عن «العقد الاجتماعى» كعلاقة جامعة بين المواطنين تتجاوز فكرة الشركة التُجارية ومنطق الرِبح والخسارة.

ما نراه اليوم فى الغرب هو رِدة فعل مُحافظة للدفاع عن فكرة الدولة فى مواجهة «كيانات أكبر» تُطرَح كمحلٍ بديل للانتماء: العولمة، المواطنة العالمية، حُرية التجارة، حُرية الحركة للبشر عبر الحدود... إلخ. التحدى الأكبر هناك هو العثور على صيغة تعايُش بين الدولة - ككيان قديم ما زال مُفيداً - وبين هذه الأفكار المُعاصرة التى أفرزت نمواً وسلاماً ورخاءً وحياةً أفضل للناس.

أما فى الشرق الأوسط، فتواجه «أسطورة الدولة» تحدياتٍ من نوعٍ مُختلف. تُجابه تهديداتٍ من كيانات أدنى. أساطير أقل شأناً: الطائفة، العشيرة، القبيلة. تاريخياً؛ توارت الأساطير وطواها النسيان، لسبب بسيط: تراجُع الناس عن الإيمان بها، واعتناقهم أساطير جديدة تحل محل القديمة وتزيحها.

السؤال الذى سيحدد مستقبل الشرق الأوسط هو التالى: هل ما زال هناك عدد كاف من الناس مؤمن بـ«فكرة الدولة» ومستعدٌ للدفاع عنها فى مواجهة أساطير جديدة/ قديمة؟.. سنرى.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق