اخبار اليوم محسن عادل يكتب: ما أسباب ارتفاع أسعار الدولار فى مصر؟

0 تعليق 15 ارسل لصديق نسخة للطباعة

سؤال انتشر على مدار الأسابيع الأخيرة حول ماهية أسباب الارتفاع المبالغ فيه فى أسعار صرف الدولار أمام الجنيه المصرى وانتشار المضاربات عليه، وهو ما يعود فى الأساس إلى الارتفاعات المبالغ فيها وغير المبررة للدولار بالسوق الموازية، والتى جانب أساسى منها ناتج عن مضاربات وشائعات من أطراف تبغى الضرر بالوطن، ويجب محاسبة مَن يتفوه بمثل الأخبار الكاذبة، لأنه يضر الأمن القومى والمواطن والاقتصاد المصرى ككل، ويحقق ضررا كبيرا بالصناعة المصرية وبالاستقرار.

الأغرب من ذلك هو انتشار حُمَّى تدَّعِى تعويم الجنيه المصرى، الذى وضعه المتخصصون وغير المتخصصين هدفا وحيدا لحل المشكلات الاقتصادية من جانب المؤيدين، وسببا لكل مشكلة مستقبلية سواء على المستوى الاقتصادى أو السياسى أو الاجتماعى، دون أن يحاول أغلب مَن تحدثوا حول هذا الموضوع أن يحللوا الأسباب والمبررات لهذه الأزمة، التى قادت إلى ارتفاع قوى للدولار فى السوق السوداء، التى قادتها أنشطة مضاربية محمومة، غذتها هذه الآراء بصورة غير مسبوقة.

ورغم ذلك، لا يمكن إغفال أن ارتفاع سعر الدولار فى السوق السوداء يعود أيضا إلى نقص المعروض منه فى البنك المركزى والبنوك المصرية، وأن ما يعلنه البنك المركزى من ضخ كميات من الدولار فى عطاءاته لا يكفى حاجة مصر من الاستيراد، كما أن تلك الضغوط فى الطلب على العملة الأمريكية تزامنت مع تأخر التدفقات النقدية المتوقعة نتيجة أسباب داخلية وأخرى خاصة بالأسواق الخارجية، مثل العودة البطيئة لاستثمارات الأجانب فى أدوات الدَّيْن الحكومى.

لكن يجب التأكيد على أن البنك المركزى لن يعمل منفردا بعيدا عن الحكومة، التى لم تتدخل فى وضع برنامج لجذب الاستثمارات، فى ظل انخفاض قيمة الجنيه المصرى، والذى يُعتبر بيئة جاذبة للاستثمار، فمع استمرار نقص موارد العملة- بعد انهيار السياحة وتراجع الصادرات وعدم قدرة الحكومة على طرح برامج استثمارية لجذب مشروعات تدر بالعملة مرة أخرى- سينفد الاحتياطى الدولارى بالبنوك، وبخاصة أن مصر دولة مستهلِكة أكثر من وجود صناعات تُغنى عن الاستيراد.

ونشير إلى أن هناك دلائل على قيام شركات وأفراد يقومون بتجميع الدولار من المصريين العاملين بالخارج فى دول الخليج، مثل السعودية والإمارات والكويت، ويعرضون عليهم أسعار السوق السوداء لبيع الدولار مقابل منح ذويهم فى مصر الجنيه المصرى بضمانات كاملة فى الحصول على حقوقهم، وهذه الجهات هى الوسيلة المطروحة حاليا لجمع الدولار ومنع دخوله مصر، وهو ما تستفيد منه الشركات الوسيطة بعيدا عن الاقتصاد القومى، لهذا فهناك ضرورة لقيام البنك المركزى بتفعيل قيام فروع البنوك المصرية المنتشرة فى جميع دول العالم، أو أى جهة مصرفية أجنبية أخرى خارج مصر، يراها البنك المركزى لجذب وتجميع وشراء مُدَّخرات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، حتى لا يتم استقدامها بطرق غير شرعية للمضاربة بها داخل مصر، ولمنع خلق سوق تحويلات موازية من جانب جهات مختلفة، قد تستهدف الإضرار بالاقتصاد الوطنى، مع إلغاء أى رسوم للتحويلات من المصريين فى الخارج إلى مصر تشجيعا لهم، لهذا فـ«المحتفظون بالدولارات لن يتخلوا عنها إلا إذا شعروا أن هناك مكسبًا ما أو أن تنخفض قيمتها، وكلا الأمران غير متوفر فى الوقت الراهن». كما أنه يجب الاستمرار فى تقديم محفزات لجذب استثمارات دولارية خارجية، مثل طرح أراضى مشروع بين الوطن أو مزارع مميزة ضمن مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان أو الإسراع فى بيع تراخيص الجيل الرابع للاتصالات.

من الواضح أن سياسة الحفاظ على قيمة الجنيه عملت على إرساء مبدأ استقرار اسمى للعملة، إلا أنها أيضا لها تأثير على زيادة تآكل القدرة التنافسية لمصر، حيث إن قوة الدولار الأمريكى وارتفاع معدلات التضخم المحلى نتج عنهما ارتفاع حاد فى سعر صرف الجنيه الحقيقى بشكل فعال بالمقارنة بمتوسط النسبة منذ عشر سنوات.

كما أن استمرار التقلبات المتعددة فى أسعار صرف العملة المحلية فى مقابل العملات الأجنبية يمثل قلقاً مستمراً لدى أصحاب رؤوس الأموال الراغبين فى الاستثمار بمصر، بالإضافة إلى أن هذه التقلبات تُغير تقييمات الفرص الاستثمارية المتاحة، كل حسب المجال الذى ينتمى له، ومدى ارتباط نشاطه سواء بالتصدير أو الاستيراد، ومؤكد أن أسعار صرف العملات الأجنبية فى السوق المحلية مازالت التحدى الأكبر أمام المستثمرين الراغبين فى دخول مصر، وهو ما دفع البنك المركزى إلى زيادة مرونة سعر الصرف فى العام الحالى لضمان موازنة أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه.

الأساس فى الأزمة الحالية سواء على المستوى النقدى أو الاقتصادى هو عدم قدرة الاقتصاد على تنمية موارده بالعملات الأجنبية، مع تراجع موارد الدولة من السياحة، وعدم نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة بصورة كافية، وتراجع إيرادات الصادرات، وكذلك ضعف الطاقات المتاحة لإنتاج سلع أساسية، أهمها الغذاء، مما يضطر الدولة لاستيرادها، وأيضا اعتماد الكثير من الصناعات القائمة على المدخلات المستوردة، وضعف المكون المحلى بنسب متفاوتة، تصل فى بعض الأحيان إلى مجرد التعبئة.

ويستلزم علاج هذه المشكلات إقامة تنمية صناعية مستدامة، فى ظل هيكلة اقتصادية قد يمتد تنفيذها لعدة سنوات لإقامة صناعات للإحلال محل الواردات من ناحية، وتنمية التصدير من ناحية أخرى، وتظهر بوادر هذه الاستراتيجية حاليا فى استراتيجية تنمية وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإقامة تجمعات زراعية تصنيعية متكاملة ضمن مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان.

إنه من المفيد لتعظيم النتائج اتباع استراتيجية لسياسة نقدية مرنة تساهم فى تحقيق التنمية الاقتصادية فى قدرتها على تجميع فائض المدخرات من القطاعات الاقتصادية المختلفة لإعادة توظيف هذه المدخرات فى تمويل عمليات الاستثمار والتبادل التجارى، مع ربط معدلات التوسع النقدى بمعدلات لنمو الدخل المحلى الإجمالى، وتحقيق التوازن الداخلى والخارجى على السواء، والمحافظة على استقرار سعر صرف حقيقى، وأن تتواءم وتتفاعل ديناميكياً السياسة النقدية مع باقى السياسات الاقتصادية، وتحقق أهدافها بأقل اختلافات ممكنة، وتحقق أقصى ما يمكن من استفادة لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية من خلال إطار مؤسسى للدولة.

أعيد التاكيد على أن إجراءات البنك المركزى لن تكفى وحدها لمعالجة الأزمة الاقتصادية، ولابد من وجود سياسة مالية واستثمارية رشيدة ومحفزة لمساعدة المتضررين من محدودى الدخل، بالإضافة إلى ضرورة إصلاح اختلال هيكل ميزان المدفوعات الناجم عن خلل الميزان التجارى، وإعادة النظر فى سياسة التصدير وتنافسية الصادرات المصرية.

*(تمت الاستعانة فى المقال بأجزاء من دراسات وأبحاث منشورة من مصادر مختلفة)

* نائب رئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمار

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق