اخبار اليوم شتاء الغضب والأحزان*

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

(1)

عندما كان قائداً للجند في المملكة، خاض جولة دموية من الصراع على السلطة في حرب الوردتين، ولما انتصر على الخصوم، لم تنته معركته مع ذاته الجموحة.. الطموحة إلى الانفراد بالسلطة، وفيما يشبه خطبة رثاء غريبة يلقيها رجل واحد، ويستمع إليها رجل واحد.. هو الشخص نفسه، وقف يقول:

(2)

الآن، أحالت شمس المعركة شتاءنا الحزين إلى صيف لطيف، ونام في قلب المحيط، كل ما خيم على بلادنا من غمام. // الآن، يكلل غار النصر جباهنا، ونعلق أسلحتنا الباردة على الجدران، للزينة وللذكرى، بعد أن جعلت من هجماتنا الساحقة الماحقة حفلات للمرح، ومن زحفنا الهادر رقصة ممتعة. // الآن يبسط إله الحرب العبوس جبينه المقطب، وبعد أن كان يمتطي صهوة جواده المدرع ليغرس الرعب في نفوس الأعداء الخائفين.. غدا يتراقص خفيفا في غرفة محظيته على أنغام الموسيقى الشجية، أما أنا فلن يناسبني زمن السلم والاسترخاء.

(3)

أنا، الذي لا أتمتع بسحنة تسمح لي بالتفكير في رومانسية العشق، ولم أجد نفسي يوماً أهلا للنظر بإعجاب إلى صورتي في المرآة، أنا الذي ولدت في غفلة من الزمن، ولم أحظ بوسامة عاشقٍ يحق له أن يختال أمام الحسناوات، أنا الذي أفتقر إلى اتساق الملامح وتشوه القوام، أنا المشوه الناقص الذي ألقته المقادير قبل الآوان في صخب هذا العالم النابض بالحياة، من دون مؤهلات لذلك، أنا الذي تنبح الكلاب غضبا إذا نظرت إليه، من فرط قبحه وغرابة هيئته، أنا الذي كذلك لن يناسبني زمن الهدوء والاسترخاء.

(4)

لن أجد نفسي في مثل هذا الزمن.. زمن السلم الذي تخفت فيه أصوات الحروب، وترق القلوب، لن أجد في مثل هذا الزمن شيئاً من المتعة يسليني، لن يبقى لي إلا أن أراقب ظلي وحيداً في ضوء الشمس، وأندب دمامتي وخلقتي المشوهة.. ولأن زمن السلم والاسترخاء لا يناسبني، فيجب إذن أن أكون شريراً

(5)

فلأكن شريراً، ما دمت لا أَصلُح للحب، ولا للاستمتاع بهذه الأيام الوديعة المشرقة، فلأواجه هذه الأيام الهادئة بحقدي، وأقصف متعها اللذيذة بكراهيتي...

فلن يناسبني زمن الخير والاسترخاء.

(6)

لقد رسمت خططي، وبدأت في خطواتها الأولى الخطيرة، وسوف استخدم الأكاذيب، والنبوءات الفارغة، والتشهير، والأوهام، وكل ما استطيع.. لتقسيم النفوس وزرع البغضاء المهلكة بين الجميع.

فلن يناسبني زمن الصدق والاسترخاء..

(7)

الخطبة بكلماتها وحروفها لا تنتمي إلى عصرنا الحالي، وإن كانت معانيها وروحها تتكرر طوال الوقت في خطب ملوك الحروب الخاشرة، فقد كتب شكسبير كلماته على لسان الملك الانجليزي ريتشارد الثالث قبل خمسة قرون، لكنها لاتزال ميثاقاً لذئاب السلطة في كل أرض وزمان، والعبرة أن ريتشارد (الذي اعترف بكل ذلك الخداع والحقد والتقسيم باعتباره خطة سياسية للحكم)، لم يستطع أن يحافظ على عرشه إلا 26 شهراً، فقد قتلته الحرب التي كان يتغنى بها، فمن يزرع شجرة الدم لا يحصد إلا القتل.

..................................................................................................................

* العنوان يشير إلى خطبة ريتشارد الثالث في مسرحية شكسبير التي تحمل نفس الاسم، كما يشير إلى شخصية «إيثان» الميكيافيلية.. الجامحة.. المتعثرة.. المترددة.. سهلة الإغواء.. كما ظهرت بطموحها وهشاشتها في رواية جون شتاينبك التي اخترتها عنوانا لهذا المقال.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق