اخبار اليوم عن النشاط الاقتصادى للجيش وحصته فى الناتج المحلى

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

بعد نجاحى بتفوق فى الثانوية العامة تقدمت للالتحاق بالكلية الفنية العسكرية. انقضت عدة أيام فى معسكر الاستقبال تم بعدها تجميع كل الطلاب المتقدمين للاستماع لقيادات الكلية، واكتمل اللقاء بتقدم مدير الكلية اللواء إبراهيم سليم فى منظر مهيب ليحدثنا، وفى كلمات واثقة قال: إن خريجى الكلية هم من أفضل المهندسين فى مصر (أدهشنى أنه فى لفتة ذكية لم يصفهم بأفضل الضباط). بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على هذه اللقطة تعرضت لأزمة صحية لجأت بسببها إلى مستشفى (غير مدنى)، بعد الفحوصات والتحاليل وتشخيص المشكلة أشرف على علاجى واحد من أشهر الأطباء فى مجاله، وكان برتبة لواء. ما بين اللقطتين وخلال أكثر من 35 عاماً فى الحياة العملية التقيت عشرات الأشخاص المتميزين فى مختلف المجالات: الهندسة، الطب، الإدارة، المحاسبة، تكنولوجيا المعلومات، وغيرها، شغلوا مواقع قيادية فى القطاعات المدنية بعدما خدموا لفترات مختلفة ترقوا خلالها فى صفوف القوات المسلحة. هؤلاء وأمثالهم كثيرون يُعتبرون- بالمعايير الاقتصادية- ثروة بشرية تعَلَّمَت واكتسَبَت خبرة وكفاءة تم استثمارها لفترة محددة فى بناء وتطوير قطاعات مهمة فى جيش مصر الحديث. وكأى مؤسسة كبرى تتم عملية الإحلال والتجديد لكوادرها الإدارية والفنية، حيث تُغَيِّر بعض هذه الكوادر مواقع عملها من القطاع العسكرى إلى قطاعات مدنية، لتمثل إضافة إلى الموارد البشرية فيها وليست افتئاتاً أو منافسة للعاملين فيها. غالبية من تعاملت معهم وعرفتهم عن قرب، أو عرفت عنهم من خلال أدوارهم فى مواقع أعمالهم، كانوا كفاءات قيادية وإدارية على مستوى راق.

العنصر البشرى هو الأهم فى عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى مصر، وهو الحاكم لما يمكن أن يسهم به جيش مصر فى تقدمها الاقتصادى والتنموى، إلى جانب مهمته الاستراتيجية فى حماية البلاد، ودونما انتقاص لهذا الدور أو تعطيل لبرامج تدريبه ورفع استعداده القتالى. عايشت خلال فترة انضمامى للحكومة أمثلة تؤكد أن قواتنا المسلحة تقف دائماً على أهبة الاستعداد لملء أى فجوة أو قصور فى الموارد، ومواجهة الأزمات الطارئة التى تتعرض لها البلاد فى أى مجال. إليك بعض الأمثلة. حينما تعرَّضَت مصر لمرض أنفلونزا الطيور وتزايدت حدة المشكلة وحذرت منظمة الصحة العالمية، وتخوفت وزارة الصحة من تحول المرض إلى مستوى «الوباء» قدمت قيادة القوات المسلحة خطة شاملة وإمكانيات كاملة لتعبئة البلاد وتولى عمليات الإخلاء- إذا تطلب الأمر- وتنظيم كافة اللوجستيات اللازمة لمنع انتشار الوباء. ورغم إحساس الرعب الذى سيطر على اجتماع مجلس الوزراء عند مناقشة الأزمة كان التأهب الجاهز الذى أبدته قيادة القوات المسلحة عاملاً مهماً للطمأنة. بالنوايا الطيبة والإعداد المتقن سلم الله.

ثمة نموذج آخر على إمكانيات تمْلِكُها القوات المسلحة للتخطيط الاستراتيجى ووضع السيناريوهات والحلول المناسبة لكل مشهد. لاشك أن هذا دور معتاد لقيادة الجيش ربما لا يعرف عنه البعض أو لا يُقِرُّه عن جهل أو غرض. فعندما بدا أن «الحرب على العراق» وشيكة، وأن موقف أمريكا سيؤدى إلى زعزعة استقرار المنطقة دُعِى رئيس الحكومة وعدد من الوزراء لاجتماع مع قيادات فى القوات المسلحة لمناقشة الاستعداد لمواجهة التطورات وتأثيراتها المحتملة على مصر. لقد كان التحضير والعرض الذى قدمته القيادة للتوقعات وكيفية التعامل معها وأدوار الأطراف المعنية شيئاً فريداً لم أره من قبل. على أى حال كان العرض أوسع وأشمل كثيراً من الرؤية الاقتصادية التى قمت بإعدادها للاجتماع.

هذه الأمثلة لا تكفى وحدها لبيان قدرات وإمكانيات القوات المسلحة للمشاركة فى دعم جهود الحكومة والمجتمع، خاصة فى الأوضاع الاستثنائية، بل إن هذا الدور هو جزء أساسى من مهام الجيش المصرى. الإنجاز وسرعة أداء الأعمال وعدم تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية هى خصائص بارزة لمشاركة القوات المسلحة فى الأنشطة المدنية. مثلاً:

- بدأت عملية تطوير وتحسين طريق القاهرة- الإسكندرية الصحراوى فى عام 2003، مرة بالتفكير فى إنارته بالكامل، ومرة باقتراح إعادة الرصف، ومرة بإقامة حواجز على جانبيه، مرة من خلال شركات مصرية وأخرى بواسطة شركات أجنبية. وفى كل مرة تتحمل الموازنة العامة تكاليف متزايدة حتى 2013 دون أن يتم تطوير الطريق. خلال السنتين الأخيرتين أصبح الطريق رائعاً (إلا قليلاً)، وكذلك طريق وادى النطرون، وطرق أخرى، والفضل يعود لجهود رجال القوات المسلحة.

- لا يُحَمِّل الجيش أى أعباء للموازنة الاستثمارية العامة. عندما قررت الحكومة ضخ استثمارات إضافية لتعويض التأثير السلبى للأزمة المالية العالمية- فى 2008- طلَبْتُ من الوزارات تقديم مقترحاتها. تحدثت مع المشير حسين طنطاوى فطلب إدراج مشروع محطة كهرباء شرق العوينات. عندما عرضت قائمة الاقتراحات على رئيس مجلس الوزراء اقترح أن يتولى الجيش تمويل المحطة من موارده الذاتية. لم يتردد المشير فى تحمل التكلفة بالتنسيق مع وزارة الكهرباء.

- تتضمن الخطة الاستثمارية العامة المشروعات التى تتبع وزارة الإنتاج الحربى، وكلها مشروعات استراتيجية مهمة. تمويل هذه المشروعات يتم بقروض من بنك الاستثمار القومى تتولى سدادها من مواردها الذاتية. وتقوم بعض هذه الشركات بتصنيع أجهزة منزلية توفرها للمستهلكين وللتصدير.

لا يعدو ما سبق سوى إشارات بسيطة عن قواتنا المسلحة، محدودة بحدود معرفتى غير المتخصصة، فلم أتشرف بالانضمام إلى صفوفها. ولكن الأهم هو ما أخذت بعض الأقلام فى تداوله حول دور زائد عن الحد للقوات المسلحة فى النشاط الاقتصادى وتنفيذ المشروعات الكبرى. الحقيقة أن هذه الادعاءات لم تظهر فقط فى وسائل الإعلام المصرية ولكنها بدأت أصلاً فى كتابات غربية، وتنطوى على مبالغات فى تقدير حجم وقيمة مساهمة القوات المسلحة فى الاقتصاد. ومع غض النظر عن الأرقام المبالغ فيها ينبغى فهم قيام الجيش بنشاط استثمارى وإنتاجى ليس باعتباره منافساً لنشاط مماثل يقوم به القطاع الخاص أو احتكاريا يستبعد أطرافا أخرى من هذا النشاط. إن هدف القوات المسلحة هو ضمان تدبير الاحتياجات الاستهلاكية لأفرادها (القمح، الدقيق، الخبز، الخضروات والفاكهة، اللبن ومنتجاته...)، وبعض المستلزمات الاستثمارية لمشروعاتها الاستراتيجية (أسمنت، أسمدة، كيماويات...)، بل بعض مشروعات الخدمات الصحية كالمستشفيات. وبعض ما يفيض عن حاجة الجيش تتم إتاحته لعموم المستهلكين. تمثل هذه المشروعات إضافة إلى الطاقة الإنتاجية للبلاد، وأحياناً تعويضاً عن قصور فى أداء القطاع المدنى. ليس هذا النشاط غريباً على الجيوش فى العالم.

تزامُن نغمة النقد لدور القوات المسلحة مع تعدد مبادرات المشروعات القومية يعكس غرضها الخبيث وسوء القصد والمغالطة فى آن واحد. التقليل من أهمية حفر اتجاه ثان للعبور فى قناة السويس بدعوى عدم تحقيقه زيادة فى الإيرادات يجهل أمرين: فمن ناحية استمرت لفترات طويلة مشروعات توسيع وتعميق المجرى منذ إعادة افتتاحها فى 1975، وارتبط ذلك من ناحية ثانية بزيادة الإيرادات من متوسط 160 مليون دولار سنوياً فى النصف الأول من الستينيات إلى 500 مليون فى 1978 لتصل إلى أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً فى السنوات الأخيرة. أما من انتقدوا الإصرار على سرعة تنفيذ المشروع فلا يعرفون أن مشكلة المشاكل التى تواجه المشروعات الحكومية هى البطء فى التنفيذ أو التوقف فى منتصف الطريق. سرعة تنفيذ القناة الجديدة انعكست فى تقليل التكلفة، وليس العكس كما يزعم البعض.

مشاركة أجهزة القوات المسلحة فى تخطيط وتنفيذ مشروعات كبيرة، مثل منطقة قناة السويس، والعاصمة الإدارية الجديدة تعرضت لانتقادات متباينة. وفى ظل ما أورَدْتُه أعلاه من أمثلة هل من المقبول أن تُتهم هذه المشروعات بغياب دراسات الجدوى؟ هل تعتبر المشروعات الإنشائية والبنية التحتية بغير ذات أولوية؟ لماذا نعتبرها مشروعات الجيش بينما تنفذها فى الواقع شركات مقاولات وتوريدات مصرية كان حجم أعمالها سينخفض وربما يتوقف نشاطها تماما ويتعطل العاملون بها ما لم تشارك فى تنفيذ هذه المشروعات. ولمن لا يعرف فإن هذا هو الأسلوب المتبع فى إرساء وتنفيذ المشروعات الحكومية والعامة فى دول كثيرة.

كثيراً ما كان يسألنى البعض عن تقديرى لنسبة حصة الجيش فى الناتج المحلى الإجمالى. لم أتورط أبداً فى الإجابة برقم كبير أو صغير لقناعتى بأن القوة الاقتصادية لجيشنا هى مُكَوّن عضوى فى قوة الاقتصاد المصرى، لا يؤخذ عليه أنها تتزايد فهى فى خدمة التنمية الشاملة. لهذا يحدونى الأمل فى أن تعود القوات المسلحة إلى لعب دور حيوى فى محو أمية الشباب (خاصة المجندين)، ونشر مراكز التدريب المهنى الجادة، وتوسيع نطاقها لإكساب الشباب المهارات والحرف التى تمكنهم من الحصول على فرص عمل لائقة. تحية إلى قواتنا المسلحة فى يوم النصر. حمى الله مصر.

* أستاذ الاقتصاد، وزير التخطيط الأسبق

كل ما يتعلق بالاستثمار والاقتصاد والأسعار

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق