اخبار اليوم في رد اعتبار الشعوب

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

1

ما من شعب مُدح في الأعوام الأربعة الماضية كما مُدح الشعب المصري.

وما من شعب وُجهت إليه الإهانات والسباب في العامين الماضيين كما وجهت للشعب المصري.

وللأسف كان المديح ممالقة للشعب وكان الهجاء ممالقة للسلطان.

في الأعوام الأربعة الماضية نافقه الكثير نخبا وساسة، جعلوا منه المعلم والملهم وتجاوز المديح إلى النفاق ليصل إلى ما قاله العلامة ابن خلدون «إن أخبث ممالقة هي ممالقة العوام».

وظلت مقولة «الشعب يريد» وترًا تعزف عليه فرق الزفة.

في العامين الماضيين تجرأ على هذا الشعب كثير من الفارغين، قال أحدهم من على شاشة تلفاز «شعب يخاف مايختشيش».

وكتب أحدهم «لو ذهب الشعب المصري إلى اليابان هاتخرب».

واستدعى آخر أسوأ ما قيل عن الشعب المصري من «عمر بن العاص» مرورا بـ«نابليون» وحتى آخر من تجرأ عليه.

2

القاعدة الحاكمة في تقييم الشعوب لا تخرج عن أن التعميم خطأ، فليس هناك شعب صالح كله وآخر طالح كله وإنما عجينة الشعوب تنبني على الاختلاف والتنوع، فكل شعب بل كل جماعة فيها الخير والشر، بل كل رحم واحدة تنجب الملاك والشيطان؛ ولعل في إخوة يوسف دليلًا على ذلك.

وثمة عامل مؤثر في فهم البيئة التي ينتج عنها هجاءُ الشعوب وسبابها، هذه البيئة لا تخرج عن المكونات الفكرية لكل شعب خصوصًا تلك التي تؤطر علاقتهم بالحاكم.

فهناك صفات عامة، وطباع تميز شعبا عن آخر، هذه الطباع هي محصلة انصهار الجغرافيا بالتاريخ بمجريات الأحداث وطبيعة النشاط البشري، فمجتمع البيزنس في بلاد الشام يختلف عن مجتمع الفلاحة والزراعة في بلاد مصر والسودان.

مجتمع التجارة ورحلات الشتاء والصيف في الشام حكمتهم قاعدة الانفتاح والترحال، وهذه القاعدة بالذات حددت علاقتهم مع الحاكم لأن مهنة التجارة مربوطة بمؤسسات الحكم، فلا تجارة بدون تأمين طرق القوافل، ولا تجارة بدون فتح أسواق وغيرها، لذا ارتبطت بلاد الشام مع الحاكم ارتباطا وثيقا منذ أن اختار «معاوية بن أبي سفيان» دمشق مكانا لتأسيس إمبرطورية الأمويين، فالاختيار جاء بعين تاجر حصيف، لذا ديمومة المصلحة بين السلطان وحاشيته وبين الشعب وطبقاته جعلت لغة السباب والهجاء قليلة وفي بعض الحقب منعدمة.

أما بلاد مصر والمجتمعات الزراعية فعلاقتها بالحاكم تكاد تكون منعدمة، وذلك لأن الفلاح الذي يضع البذور في الأرض وينتظرها لتنبت ثم تثمر لا يمكن أن يعوِّل على الحاكم في إنباتها وإنما طبيعة السعي على رزقه ومعاشه وطدت علاقته بالله وليس الحاكم، لذا لا غرابة أن يقولوا الدين في مصر.

لهذا لم يهتم الشعب بمن يحكمه، فحكمة الأراذل والأكابر، حكمه كافور وحكمه قطز.

أضف إلى ذلك ارتباط الشعب المصري منذ قديم الأزل بالثابت في تأسيس حضارته وهو النيل، لذا كان الثبات والاستمرار في الحضارة المصرية قائمين وهما اللذان جعلاها أول حضارة في التاريخ، وكما قال نجيب محفوظ «لسنا شعبا له حضارة بقدر ما نحن شعب أوجد الحضارة».

من هنا تجاهل الشعب المصري الحاكم وجار الحاكم على الشعب بممارساته وهجائه عبر جوقته البغيضة وطباليه.

ومن تلك القاعدة في توصيف الشعوب يتضح أن هناك خطوطًا حمراء لكل شعب لا يستطيع أحد أن يتجاوزها وإلا حُرق بنار غضبته، ومحرمات الشعب المصري هي الأرض والعرض، وفي العرف المصري والعادات والتقاليد تجد الشعب المصري يمكن أن يتحول إلى قاتل بمنتهى السهولة لو تجاوز أحد في حق عرضه أو أرضه.

فشخصية محمد أبوسويلم في فيلم الأرض ليوسف شاهين وأغنية «عواد باع أرضه ياولاد» في الفلكور المصري هما اختصار لتكوين الشخصية المصرية في علاقتها بأرضها.

3

إذا شعب بهذا العمق والتاريخ يكون من الصفاقة ومن الحماقة أن يتطاول عليه السفهاءُ، وما ذلك التطاول إلا جهلا وفُجرًا في الجهل، ومرد التطاول على الشعوب لا ينبع إلا من عدة عوامل عرفناها من حكايات التاريخ أولها:

أن المبالغة في إظهار عيوب الشعوب تخرج من جوقة وبطانة السلاطين حين يفشلون، وما أسهل من شماعة الشعوب ليعلقوا عليها ذلك الفشل.

هنا تظهر تلك الأصوات التي تلقي التبعة على المحكوم وتبرئ ساحة الحاكم، وهذا ظلم رد عليه الفلاسفة القدامى والمحدثون.

فهناك من قال إن المسؤولية متبادلة بين الحاكم والمحكوم، والحاكم يديرها، وهناك من قال إن المسؤولية كاملة على الحاكم فقط، وفي الحالتين نكتشف أن مسؤولية الحاكم أكبر.

وبعيدا عن قول الفلاسفة وغموض المعاني وتفكيك الدلالات أسوق مثالا يتكئ على معنى أبوية الشعوب التي نعرفها وأدركتها حكمة الفلاح البسيط، فلو افترضنا أن هناك عائلتين، العائلة الأولى لأب باع ما يملك من أجل تعليم أبنائه وتربيتهم وفي النهاية أصبح منهم الطبيب ومنهم المهندس والعالم،

الأب الآخر أهمل أبناءه وغرق في فساده، فخرج منهم اللص والمجرم والجاهل والمريض.

من نلوم في هذه الحالة؟

نلوم الأبناء الذين أصبحوا قتلة ومجرمين أم نلوم الأب؟!

الحقيقة أن الأبناء هم ضحية لأب فاشل وفاسد، وبالتالي هم يستحقون الشفقة لا اللوم والسباب والإهانة.

أنا لا أنزه الشعب عن النواقص أو أرفعه إلى مرتبة الكمال في الأفعال، لكن من يريد أن يقترب من تقييمه فليقف فوق سنين حضارته ليكون على مستواه، وحين يحدد عيبًا فليحِله إلى السلاطين الذين حكمونا طوال العقود الماضية لأن هؤلاء السلاطين أثبتت حركة التاريخ أنهم لم يكونوا على قدر حكمة هذا الشعب.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق