اخبار اليوم ثمن الثورة والإرهاب

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عندما تكون جُغرافياً بعيداً بعد السماء عن الأرض فإنك لا تبعد عن مصر أبداً، أو على الأقل فى هذا العصر، حيث يمكنك متابعة كل الصحف والمحطات التليفزيونية، ولن يعفيك الأهل والأصدقاء من الأخبار والصور عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ودقيقة بدقيقة من خلال رسائل تليفونية وفوقها ما بات معروفا باسم «الواتس». النتيجة أن ما يصل فيه قدر غير قليل من الإحباط، وقدر هائل من الغضب ترتفع نبرته بشكل كبير، عندما يصير مذاعا فى برامج تليفزيونية توفر محاضرات سياسية زاعقة. ولكن البعد يوفر ميزة لاشك فيها وهى القدرة على التأمل، والمقارنة بين أحوالنا وأحوال الآخرين، وأحيانا طرح السؤال: كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن؟ وكيف نخرج من المأزق الذى وصلنا إليه، خاصة إذا عرفنا أن الوصول لم يكن نتيجة أن أحدا قدم لنا شرابا «أصفر» غاب بعده وعينا فانزلقنا إلى ما نحن فيه؟! فالحقيقة هى أننا كنا نعرف فى كل الأحوال ما يجرى، بل وكنا على يقين بما يقودنا إليه، ولكننا دائما فضلنا حلولا سهلة أهمها كيف يمكن تأجيل المشكلة أو الأزمة إلى زمن آخر قد تحدث فيه معجزة أو نستيقظ لنكتشف أن الأمر ليس إلا كابوسا ينتهى مع اليقظة، أو نبحث عمن يساعدنا ويمنحنا ويقرضنا ما ييسر أمرنا شريطة- وهذا أمر مهم- ألا يفرض علينا أمرا أو يطلب منا شيئا أو يفرض علينا شروطا؟!

مثل ذلك لا يوجد لا فى الأرض ولا فى الحياة الدنيا، ولا فى السياسة داخل الدول أو بين الدول، فالمسألة أن مصرنا تعانى من مشكلات هيكلية كبرى بين السكان والموارد، الغذاء والماء، الطاقة وندرتها، توزيع السكان بين النهر والبحر، الاعتماد الشديد على الخارج فى الماء والطاقة والمال، بين الجهل والتعليم، وهكذا أمور ليست لها علاقة لا بعهد بعينه ولكنها حاصل إدارة أمورنا فوق الجغرافيا التى عشنا عليها، والتاريخ الذى عشنا فيه. الإدارة الجماعية لهذه المشاكل مؤخرا تمت من خلال الثورة (مرتين) التى انقسم فيها الناس ما بين من ذهبوا إلى ميدان التحرير وباقى الميادين الشهيرة فى مصر، ومن جلسوا على «الكنبة» على أمل إما أن يأتى لهم من ذهبوا بحلول سحرية، أو يقيهم الجلوس شر الخروج. ولكن الجميع، من ذهبوا ومن جلسوا، واجهوا فى النهاية الحقيقة التى لا يمكن إغفالها وهى أن للثورات ثمنا كبيرا تدفعه الشعوب، أحيانا لسنوات وأحيانا أخرى لعقود، وكان الإرهاب الدينى نتيجة للخلل الثورى الذى جرى، ولكنه هو الآخر كان له ثمن هائل فى البشر والعتاد والتراجع الحاد فى الثروة السياحية.

إحدى النتائج الطبيعية لمثل هذه الحالة هى عدم الاستقرار السياسى، فمرّ على مصر عدد من الوزارات أكبر من أى وقت مضى، وفوقه حركات كثيرة للمحافظين، وفى الحالتين كان التردد فى اتخاذ القرارات والخوف من أثمان إضافية لسياسات حكيمة فى المدى المتوسط والبعيد، ولكنها مؤلمة فى المدى القصير. من يستمع إلى البرامج الحوارية المصرية يرد على ذهنه فورا الطفل الذى يرفض ألم شكة العلاج، أو مرارة الدواء، عندما يكون الجميع على استعداد لرفض ما هو ثابت أن الدولة الحديثة لا تكون كذلك إذا كان لديها أسعار متعددة لعملتها الوطنية، ولا يوجد حل لذلك عرفته البشرية حتى الآن إلا أن تكون عائمة للعرض والطلب الذى يعكس الإنتاج والاستهلاك. المسألة هى أنه لا يمكن المطالبة بدولة حديثة دون تعويم للجنيه المصرى الذى سوف يستمر فى الانهيار، وبدونه لا يمكن أن يتم الإصلاح الاقتصادى لأنه لا إصلاح إلا بمعرفة القيمة الصحيحة للأشياء.

هذه ليست «روشتة» لصندوق النقد الدولى، ولكنها «الروشتة» التى قدمتها تجارب العشرات من دول العالم التى تقدمت لأنه لم يعد لديها شك ولا تردد فى أن اقتصاد السوق هو الحل، وأن لذلك الاقتصاد قواعد ونظما وأساسيات لا يمكن تجاهلها من أول ضرورة المنافسة وحتى حماية الأقل حظا. العجيب فى الأمر أن من يرفضون الاتفاق مع صندوق النقد الدولى يتحدثون عن تجاهل الحكومة للحلول الأخرى، بينما لا يطرح أحد حلا واحدا منها. المسألة ببساطة أنه لا توجد حلول أخرى إلا بالعودة إلى حالة من الانغلاق الذى يبعدنا عن السوق العالمية، والحداثة، فنصير مثل سوريا قبل الانهيار الكبير، وكوريا الشمالية، أو مصر الناصرية، أو أى من أمثلة دول العالم الثالثية التى تعيش ما نعيش فيه من أزمات. ولحسن الحظ أن ذلك ليس هو الخيار الوطنى لا بين أهل الميدان ولا أهل الكنبة حتى الآن، فكلاهما تراجعت آماله الثورية إلى ضرورة الإصلاح والتغيير، ولكن دون أن يتألم أحد! مثل ذلك ليس واردا سواء فى أحلام اليقظة أو المنام، وهناك لحظات فى تاريخ الأمم يصبح عليها أن تواجه حقائق مرة، ويكون خيارها أن تقبل التحدى أو تفعل ما فعلته من قبل: أن تؤجله (ولهذا ثمن!)، أو تمضى فى الإصلاح (ولهذا ثمن هو الآخر!)، أو تعود إلى سياسات سابقة ثبت أنها تفاقم الأزمة (ولهذا ثمن ثالث!).. هل الإصلاح يحتاج قدرا كبيرا من كفاءة الإدارة؟ والإجابة: نعم بالتأكيد.. ولكن على هذا يكون الحوار.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق