اخبار اليوم أين - ولماذا - اختفت الأحزاب المصرية؟

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

مع بداية الدورة الثانية للفصل التشريعى الأول، لمجلس نواب ما بعد ثورة 30 يونيو، تتجدد الأسئلة التى طرحت نفسها بإلحاح فى أعقاب إعلان نتائج الانتخابات العامة التى جاءت به، حول مدى أهلية مجلس بهذا التركيب، للقيام بالمهام التى تفرضها طبيعة المرحلة، ومدى قدرة أعضائه، على مواجهة ظروف محلية وإقليمية ودولية، بالغة الصعوبة والتعقيد، من علاماتها البارزة: إرهاب شرس يتقنع بالدين، وتتسلل جماعاته - مدججة بالسلاح وبالمال - من مختلف الجهات الأصلية التى تحيط بالوطن، وأزمة اقتصادية طاحنة تتحمل الطبقات الوسطى والفقيرة وشرائح من الطبقات القادرة، النصيب الأكبر من أعبائها.. وميراث ثقيل من الفوضى والفساد، وهى كلها ظروف تجعل من المستحيل على مجلس بهذا التركيب أن يقوم بالحد الأدنى من الواجب الرئيسى الذى انتخب من أجله، وهو إرساء الأعمدة الأساسية لبناء الدولة الديمقراطية العصرية.

ولا أحد يستطيع أن ينكر أن إنجازات الدورة الأولى من عمل المجلس، قد أحبطت آمال كثيرين فى أنه قادر على أن يواجه كل هذه التحديات، لأسباب من بينها أن معظم أعضائه قد جاءوا من الشارع إلى مقاعد النيابة عن الشعب، من دون أن تكون لديهم أى خبرة سابقة بالعمل البرلمانى، أو أن يمروا بأى تجربة سياسية أو يسبق لهم الاهتمام - مجرد الاهتمام - بالعمل العام على أى صعيد.. ومع ذلك فإن الأمل لايزال يناوش كثيرين، فى أن يكتسب حضرات النواب المحترمين، أعضاء المجلس الموقر، على امتداد السنوات الأربع التى لاتزال باقية من الفصل التشريعى، خبرة تؤهل بعضهم للقيام بالحد الأدنى من مهام المرحلة، فى ضوء الحقائق التاريخية التى تقول إن الشعوب تتعلم الديمقراطية بالممارسة وليس بالتلقين، وأن مشكلة مصر السياسية تكمن فى أن تجربتها الديمقراطية تعرضت لموجات متكررة من الانقطاع، حالت بين جماهيرها ونخبها السياسية، وبين الاستفادة من تراكم خبراتها على نحو أسفر عن رسوبها فى كل الامتحانات الديمقراطية، وإلى بقائها فى سنة أولى ديمقراطية على الرغم من أنها كانت خامس بلد فى العالم يعرف البرلمانات، ومرور 150 سنة على انعقاد أول مجلس نيابى بها.

ولو كنا قد تعلمنا شيئاً من خبرتنا البرلمانية السابقة، على الأقل خلال العقود الستة الماضية، لتوقفنا أمام الحقيقة التى تقول إنه لا ديمقراطية حقيقية بلا تعددية سياسية حقيقية، باعتباره الدرس الذى تمخضت عنه تجربتا «الاتحاد القومى» و«الاتحاد الاشتراكى» فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر، واعترف هو نفسه - بعد هزيمة 1967 - بفشلهما الذريع، ولما تكررتا فى عهد الرئيس السادات، فى صيغة الحزب الواحد فى قالب تعددى التى لم تكن تختلف عنهما من حيث الجوهر، ثم فى عهد الرئيس مبارك، إلى أن أسقطتها ثورة 25 يناير.. وهى صياغات ربما كانت - فى بدايتها - تنسجم مع المناخ السياسى الذى كان سائداً لدى الأنظمة التى أقامتها ثورات التحرر الوطنى فى العالم، ومع ذلك فقد ظلت باقية عندنا على الرغم من مرور زمن طويل على انتهاء عمرها الافتراضى، بل ظل المناخ المعادى للحزبية الذى أشاعته قائماً، حتى بعد أن أسقطتها ثورة يناير، لذلك عزف معظم الشبان الذين فجروا هذه الثورة، عن الانضمام إلى الأحزاب التى كانت قائمة، أو تشكيل أحزاب جديدة، وعلى طريقة «من تحزب خان» أعلنوا أنهم سيواصلون نضالهم لتحقيق أهداف الثورة، عبر مليونيات ميدان التحرير.

ومع أنهم أدركوا خطأهم، بعد أن اختطفت الأحزاب التى تشكل منها تحالف تيار الإسلام السياسى، ثمار الثورة منهم، واستخدموا أسلوب المليونيات لإسقاط حكم الإخوان فى ثورة 30 يونيو، إلا أن المناخ الذى أعقب الثورة، وبداية الحرب ضد الإرهاب سرعان ما ألقى بظلاله على الجميع، بما فى ذلك القوانين والترتيبات التى أسفرت عن تركيب مجلس النواب، بالصورة التى بدا معها، وكأننا لم نتعلم حرفاً واحداً من دروس العقود الستة الماضية، وإلا ما جاء تشكيل المجلس خليطاً من الاتحاد القومى ومن الحزب الواحد فى قالب تعددى! فهو يضم أغلبية من المستقلين تشكل 55٪ من الأعضاء، يتنكرون فى عباءة حزب وهمى باسم «ائتلاف دعم مصر»، يعرض أنه حزب الأغلبية، بينما ينتمى 45٪ من الأعضاء إلى 19 حزباً، يتراوح نصيبها بين عضو واحد، و35 عضواً!

ما يلفت النظر أن الأحزاب المصرية، التى ارتفع عددها من 24 حزباً قبل ثورة يناير إلى أكثر من مائة حزب بعد ثورة يونيو - قد اختفت كلها تقريباً من الساحة السياسية، سواء على صعيد النشاط فى مجلس النواب، أو صعيد التأثير فى الفضاء العام، ولم تعد الصحف أو الفضائيات تهتم بنشاطها أو تعنى بمناقشة قادتها فى الأمور التى تتعلق بالشأن العام، إلا إذا تعلق الأمر بانشقاق أو خلاف أو انسحاب، وأصبح من الصعب أن يتنبأ أحد بالموقف الذى سيتخذه نواب هذا الحزب أو ذاك من هذا القانون أو ذاك، إذ لا توجد رؤية أو إرادة موحدة، لدى أى نواب أى حزب من الأحزاب، بما فى ذلك نواب حزب- أو ائتلاف - الأغلبية.

صحيح أن الأغلبية العظمى من نواب البرلمان يؤيدون النظام القائم، بحكم انتماء معظهم إلى القوى والتيارات والأحزاب التى ساندت ثورة 30 يونيو، ولكن من الصحيح - كذلك - أنهم يختلفون معه فى كثير من التفاصيل، وفى ترتيب الأولويات، وفى تقييم الأداء، ويعبرون عن مصالح اجتماعية مختلفة، تتطلب التوفيق فيما بينها، وهى لابد أن تنعكس على أداء مجلس النواب فى الدورة القادمة، حتى يتذكر الجميع أنه لا ديمقراطية حقيقية بلا تعددية حزبية حقيقية!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق