اخبار اليوم دار الأمان

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ما زلنا مع الرحالة «ابن فطومة»، الذى يختصر لنا التاريخ البشرى فى رواية صغيرة الحجم. محطات بعد محطات. منذ العهود السحيقة للجنس البشرى، عندما كانوا يعبدون القمر ويمارسون الجنس على المشاع. إلى دار الحيرة التى تمثل الحضارات القديمة فى مصر والصين، حيث تزدهر الحضارة وتحل روح الإله فى جسد الملك/ الفرعون، فيحكم باسم الإله. إلى دار الحلبة التى تمثل الحضارة الغربية الحالية التى تقدس الحرية.

واليوم موعدنا مع المحطة التالية. موعدنا مع اليسار.

■ ■ ■

عن نفسى كنت أتوقع أن ينحاز نجيب محفوظ لليسار. ألا تلاحظ معى أنه لا يوجد مبدع متميز تقريبا إلا وهو يسارى بشكل ما. لا أعرف تفسيرا واضحا لهذه الملاحظة! لكن المدهش أن فيلسوفنا العبقرى تنبأ فى هذه الرواية بزوال الشيوعية، برغم أنها نشرت (١٩٨٢) قبل زوال الاتحاد السوفيتى عام (١٩٩١).

ترى ما الذى جعل فيلسوفنا الحكيم يتبنأ بزواله؟

■ ■ ■

هكذا وصف نجيب محفوظ دار الأمان: «هى بالغة الأناقة والنظافة والهندام، لكنها ميتة بلا روح. الجميع عاملون ولا يوجد عاطل واحد. كل فرد يُعد لعمل وينال أجرا مناسبا. لا مكان لأغنياء أو فقراء فالكل سواء. وأقل أجر يكفى لإشباع حاجات الإنسان!».

شيوعية جدا، أليس كذلك؟

■ ■ ■

يواصل نجيب محفوظ الحكى: «والعجائز- الذين طعن بهم السن فيما وراء مرحلة النشاط والعمل- يرتادون الحدائق للنزهة. أما تربية الأطفال فصارمة تكتشف المواهب وتوجهها حسب الاستعداد والحاجة. والغذاء يمتاز بوفرة العناصر الغذائية والترف ممنوع. وممارسة الألعاب الرياضية فى أوقات معينة من العمل شيء إجبارى لا اختيار فيه.

وحينما تحل ساعة الفراغ من العمل تكتظ الشوارع بجموع لا حصر لها من الرجال والنساء لكل طائفة زى بسيط موحد كأنها فرقة جيش يتقدمون فى نظام لا يند عنهم أكثر من همس، بوجوه جادة مرهقة وقامات قوية نحيلة ومساواة تنذر بالخمول الدائم والطمأنينة الراسخة فى العيون. وسرعان ما تخلو الشوارع مع هبوط الظلام».

لقد توقفت طويلا أمام هذه الجملة «مساواة تنذر بالخمول الدائم». هكذا يلخص فيلسوفنا الحكيم العيب القاتل للشيوعية. لأن الله تعالى لم يخلقنا متساوين فى المواهب. ولا بد أن يُطلق العنان للبشر لتحقيق ذواتهم فتتقدم البشرية.

هكذا أرى الأمور.

■ ■ ■

يواصل الروائى العبقرى قائلا: «الحرية الفردية هنا عقوبتها الإعدام، وضحايا هذا النظام المُحْكم يسمونهم «أعداء الشعب»، ويُقصد بهم ملاك الأراضى وأصحاب المصانع. تاريخ دموى طويل ولكن هل كان تاريخ الإسلام فى دارنا دون ذلك دموية وآلاما؟

النظام السياسى يقوم على انتخاب الصفوة للرئيس الذى يتولى منصبه مدى الحياة. نظام شبيه بنظام الخلافة فى ديار الإسلام، هكذا يفكر الرحالة فى ألم متذكرا مآسى تاريخنا الدامى. أما صلاحيات هذا الرئيس فهو المهيمن على الجيش والأمن والزراعة وكل شىء تقريبا.

يقضى الرحالة أيامه ولياليه يفكر فى حرقة فى دار الإسلام، «الدين الذى خانه أهله» على حد تعبير نجيب محفوظ. ألم أقل لكم إن هذه الرواية تؤرخ لعودة نجيب محفوظ الحميمة إلى الإسلام؟

■ ■ ■

كان بحاجة أن يبتعد ليرى وطنه على ضوء جديد، وهاهو ذا يعتصره الألم كلما تذكر أن لدار الحلبة هدفا قد حققته بدقة، نفس الشىء فعلته دار الأمان. أما دار الإسلام فهى تعلن هدفا وتحقق آخر باستهتار، وبلا حياء ولا محاسب. فهل يوجد الكمال حقا فى دار الجبل؟

■ ■ ■

ولكن ما هى حكاية دار الجبل؟ هذا ما سنعرفه فى مقالنا القادم إن شاء الله.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق