اخبار اليوم جيش «نوال السعيد»..ذكريات وبطولات جنود الإمداد والتموين

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

تشير عقارب الساعة إلى الثانية ظهرا يوم السادس من أكتوبر 2016، لتفتح معها حقيبة ذكريات يوم مر عليه ثلاثة وأربعون عاما، وما زال يحمل حكايات وروايات من الأبطال الذين ما زالوا على قيد الحياة، يسطرونها يوما بعد يوم، لتدون دروسا للأجيال المتعاقبة.

ذكريات وشهادات إنسانية سجلتها حرب أكتوبر لكل جندى وضابط اشتركوا فى الملحمة، لكل فرقة وفصيل وسارية وكتيبة، من مدفعية للمشاه للدفاع الجوى للصاعقة للقيادة العامة للمظلات وغيرها من الكتائب التى خُصص لكل منها دور محدد عليها أن تؤديه.

مع التدريبات والتجهيزات العسكرية، التى كان يؤديها الجنود تمهيدا للمعركة على غير دراية بميعاد الحرب، كانت هناك قوات تعمل على قدم وساق، تجهز عدتها واحتياجاتها لأنها ببساطة كانت بمثابة الضوء الأخضر للقوات المسلحة، حين تستعد فذلك يعنى استعداد مصر لقيام الحرب، تعرف بـ«هيئة الإمداد والتموين».

كانت حينها تحت قيادة اللواء الراحل نوال السعيد، الذراع اليمنى للحرب وقتها، فمن شدة أهمية دوره، حينما سُئل الرئيس الراحل محمد أنور السادات عن ميعاد الحرب، قال «اسألوا نوال» فى إشارة للواء نوال.

تتلخص مسؤولية الهيئة فى توفير الذخيرة والطعام والشراب والخدمات الطبية والبيطرية والمطبوعات ووسائل النقل والوقود ومعدات الوقاية للجنود فى الحرب، بالإضافة إلى شق الطرق وإنشاء الكبارى وغيرها من التجهيزات، فبدون تلك الوسائل يعجز الجندى على حمل سلاحه، أو حتى على العيش وتحمل مشقة الحرب.

ذكريات يرويها الأبطال، من مرسلى المؤن إلى مستقبليها، من كانت فى يده زمام الأمور فى الإمداد والتموين وتوفير الاحتياجات، ومن كان ينتظر العون فى ساحة المعركة.

اللواء عبداللطيف مبروك، رئيس عمليات الفرقة السابعة والمسؤول عن إمداد القوات وقت الحرب وما تلاها من حصار للجيش الثالث الميدانى، واللواء جمال حواش، وكان وقتها نقيبا فى سلاح النقل تابع للإمداد والتموين، والعميد محمد عبدالمنعم، وكان حينها ملازم فى سلاح المشاه ميكا، رصدوا لـ«المصرى اليوم» كواليس تخزين وتعبئة المؤن والتعيينات، وكواليس استلامها واستخدامها من الجنود فى الأراضى المختلفة من الحرب.

يجلس فى نادى الشمس، يستقبل فيه ضيوفه القادمين لسماع رواياته عن إنجازات هيئة الإمداد وقت الحرب، اللواء عبداللطيف، كان مسؤولا عن التخطيط لإمداد عشرين ألف مقاتل والذين استمروا حتى نهاية الحصار.

يفتح عبداللطيف خزانة الذكريات بما قبل الحرب بستة أعوام، أى بعد هزيمة 1967، ويقول: «بعد النكسة الهيئة خسرت 85% من المعدات والمؤن نتيجة للانسحاب غير المنظم»، لذلك كان على الهيئة استعادة قوتها، وهو ما تم تنسيقه بين الرئاسة والقوات المسلحة الممثلة فى رئيس هيئة الإمداد والتموين اللواء نوال السعيد.

كانت بداية التجهيزات للحرب من قبل الهيئة، قرار الرئيس السادات بتعيين اللواء محمد ثابت وزيرا للتموين فى ذلك الوقت، لتدبير جميع الاحتياجات لصالح القوات المسلحة، يقول اللواء عبداللطيف: «محدش أدرك سبب تعيين الوزير غيرنا إحنا».

دراسات مكثفة كانت تتم بين الرئاسة والقوات المسلحة وزارة التموين لمعرفة حجم احتياجات الجيش للمؤن استعدادا للحرب، يقول اللواء جمال حواش: «الإمداد هو اللى بيحدد مدة الحرب على حسب الموجود، مش هحارب من غير مؤن واحتياطى كاف منها».

قواعد إدارية متقدمة تُفتح، تشوين مؤن، وحدات للمياه والوقود تُشق فى خطوط مواسير، طرق تنشأ وسكك حديد، يقول عبداللطيف: «احتجنا مقطورات كتيرة جدا، فاضطروا يعبئوا عربيات القطاع المدنى لصالح القوات المسلحة».

14 يوما هى المدة التى حُددت للحرب اعتمادا على مخزون المؤن والذخيرة الموجود، بحسب اللواء جمال حواش، ويقول: «لكن إحنا قدرنا فى الحرب نعوض المستهلك اللى تم استخدامه كل يوم فى آخر كل نهار».

حيل وطرق حاولت بها الهيئة توفير أكبر قدر من الراحة للجنود، ومن أهم الاقتراحات التى نُفذت قبل الحرب بشهور قليلة كان لصالح جنود المشاه، وهى عمل ما يسمى «جاكيتة العبور» بحسب اللواء عبداللطيف، أو «الشدة القتالية» بحسب النقيب عبدالمنعم، «اقترحها جندى على العقيد عادل يسرى قائد مشاه الفرقة 16 وبلغ بها قائد الفكرة وطلب بتعميمها فى القوات المسلحة»، ويضيف اللواء عبداللطيف: «الفكرة وصلتلنا من اللواء سعد الدين الشاذلى ونفذها اللواء نوال السعيد».

الشدة أو جاكيتة العبور كانت بديلا للجربندية التى كانت تشبه «الشنطة» ويرتديها الجندى على ظهره حاملا بطانية وتعيينات طعام ومياه، «لم تكن كافية للغرض» قال اللواء عبداللطيف، وعن شكل الجربندية هو جاكت به حوالى 20 جيبا يكفى لحمل أكثر من 20 كيلو من المؤن.

ذخيرة، قنابل يدوية، تعيينات، مياه، معدات وقاية، حقن اتروفين للحماية من الغازات السامة، رباط ميدانى، كوريك، وغيرها من المؤن وُزعت على جيوب جاكيتة العبور التى أُنتج منها وقتها حوالى 50 ألف وحدة، يقول اللواء عبداللطيف: «المؤن موزعة على الجسم عشان الجندى ميحسش بالثقل، وكانت أنسب من الجربندية، وتم تدريب الجنود عليها قبل الحرب».

تعيين القتال، وتعيين الطوارئ، هما الضلعان الأساسيان لمساعدة الجندى فى الاستمرار فى الحرب، يصف اللواء عبداللطيف تعيين القتال بأنه كان عبارة عن معلبات من البولبيف، فول، خضار، وعلبتين بسكويت: «الجنود كانوا مسميينوه خشبيسكوا لأنه كان ناشف جدا، كان من إنتاج بسكو مصر وفيه من شركة قها وشركة أدفينا، حاجات محطوطة فى المخازن من فترة وطلع يا جدع وكانت من أسوأ الحاجات والعلب كانت منفوخة بس كان مضطرا».

أما تعيين الطوارئ فكان عبارة عن لوح من الشيكولاته أو «الفولية» سمكها كبيرة، ويقول عبد اللطيف: «كان المكعب منهم بيدى طاقة كبيرة أثناء القتال، الجندى بيحتاج فى وقت الحرب أكتر من سعراته الحرارية المعتادة».

تعيين الطازج فهو المكافأة التى يحظى بها المقاتل فى أوقات الهدوء داخل الحرب، فصحيا لا يفضل للجندى الاعتماد على تعيين القتال لأكثر من ثلاثة أيام متتالية، «عشان هى عبارة عن معلبات كلها مواد حافظة، لكن بيكون مضطر ليها الجندى فى وقت الحرب» يقول عبداللطيف.

الطازج الذى يعتمد على مقطورات طهى، يقدم ساخنا من خضروات أو لحوم أو فراخ، لم يكن متاحا بشكل كبير فى ظروف الحرب، ولكنه كان سلاحا من أسلحة رفع الروح المعنوية للجنود، يقول اللواء جمال حواش: «كنا بنحاول نوصل للجنود آخر النهار من كل يوم حتى لو بكوب شاى سخن أو شوربة عدس أو خضار، كانت بتفرق معاهم كتير».

أخذ التفكير فى توفير المياه للجنود وقت ودراسات كثيرة، منها الاتفاق على عمل خط مياه يصل بين الشرق والغرب بمواسير مسنودة على براميل، يقول عبداللطيف: «عدلنا زمزامية المياه من نص لتر لتتحمل لتر كامل عشان تقضى الجندى اليوم كله، لأنه غالبة الإمداد بيكون فى نهاية اليوم».

هذا التقنين فى استخدام المياه حاول الفريق سعد الدين الشاذلى، تعليمه للجنود، يتذكر النقيب محمد عبدالمنعم توجيهات الفريق التى كانت تحمل كل التفاصيل عن كيفية الأكل والشرب وربط الحزاء، ويقول: «قالنا لما تيجى تشرب املأ غطا الزمزامية ويدوبك بس تشربه عشان تفضل معاك أكبر فترة ممكنة».

أحداث حزينة مرت على الجنود أثناء الحرب لتوفير المياه، يحكى منها عبدالمنعم اليوم الذى فقد فيه عسكرى زمزميته، «كنا بنقسم عشان نديله، وفى مرة اضطرينا نأخذ زمزمية شهيد من جيبه لأننا كنا عطشانين».

حتى المطر أحسن الجنود استخدامه والاستفادة منه، يقول عبداللطيف: «تحت المطر كان الجندى يقف يستحمى بالليفة عشان الأمراض الجلدية، وكان صعب يستخدم من المخزون الموجود عشان يكفى الشرب».

سلسلة الإمداد لم تتوقف خلال فترة القتال، تعيينات تمر يوميا حتى قبل البدء فى الحرب، كل مستوى من المستويات سواء الكتيبة، السارية، الفصيلة، والجماعة يصل إليها الإمداد من الخلف للإمام، بكل الطرق، يتذكر اللواء عبداللطيف اقتراح الفريق سعد الدين الشاذلى لما عُرف باسم «عربية البطاطا»، «كانت بتشيل 150 كيلو، عربية يد بعجلتين كوتش، فيها ذخيرة وتعيينات ومياه وعسكريين بيشدوها للوحدات الصغيرة متغطية بملاية، غير عربيات النقل اللى كانت بتنقل للكتائب».

انتهت الحرب وانتهى الحصار وبقيت الذكريات عالقة فى أذهان كل من شاركوا فى الحرب، وبقى اللواء نوال السعيد أيقونة مهمة من أيقونات نجاح أكتوبر، الذى أنصت لكل الاقتراحات وطبق الصالح منها، يستشير، يقيم اجتماعات، يقول حواش: «كانت قيادة حكيمة بتعقل اللى بتسمعه من آراء»، ويختتم عبداللطيف كلامه بأنه لولا تخطيط «نوال» لما نجحت العملية، «اعتمد على الإمداد المستمر للجنود والإخلاء المستمر للجرحى».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق