اخبار اليوم أنيس في شرفة الأجداد*

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

(1)

لن تحصل على جوهر هذا المقال إلا بخريطة قراءة، تشبه «خريطة الكنز»، فلن تفصح المعاني عن روحها، إلا إذا اتبعت الخطوات التالية:

1- افتح صفحة ويب على محرك بحث جوجل.

2- اختار فئة: «صور»

3- انسخ هذه الكلمة Giacometti في مربع البحث.

4- اضغط إنتر وتأمل الصور التي ستظهر أمامك.

(2)

تماثيل هزيلة يخيل إليك أن الصدأ أكلها، لكنك لن تستهين ببقايا البشر، وملامح العالم الزائل، (لم يكونوا كأبطال الملاحم لتكرههم الألهة/ ولا مساكين ليحبهم الله)، لذا قد يصيبك مسٌ من الحزن، أو تأخذك الذاكرة إلى ملاحم قديمة بالفعل، تنثر ماء البهجة على براعم الحزن المتجددة، فالبشر الذين راحوا سامقون، ويتحركون بحيوية بالغة: يرقصون حيناً، يمشون بهدوء حيناً، أو يثبتون حيناً في أماكنهم (جالسين أو واقفين) وكأنهم يقلدون تماثيلا حقيقية، يتناقشون بعض الوقت، لكنهم في معظم الوقت يتأملون بصمت ناطق في مشاهدٍ لا نراها نحن.. بقدر ما نشعر بها.!

(3)

تلك هي الصورة التي رأيت عليها أشعار المبدع الهادئ أحمد أنيس، فهو يكتب قصيدة «جياكوميتية» عن عالمٍ «كان».. لكنه يظل بالإمكان، عن عالم حاضر فينا برغم الهشاشة.. عالم حي لم يمت تماماً، لأن بقاياه النابضة في الذاكرة تظل أكثر صدقا وتعبيرا وحياة من العالم الكاذب.. القبيح.. المتجمد.. الذي يهيل التراب بغباء وجلافة على مالا نستطيع نسيانه.

(4)

وفشلت في فهم أشياء كثيرة/ ليس أقلها: كيف يحب الناس مدنًا بلا تراب؟/ وكيف يختلفون على الإيمان به؟. هذه قصة قديمة: ربما منذ الخلطة الأولى/ وللتراب قداسته في تفاسير الحنين.

(5)

أحمد أنيس، واحد من فرسان المجددين المبدعين في الثورة الثالثة لقصيدة النثر العربية، وأنا أزعم أن هذا الجيل، يضيف رصيدا مبهرا للإبداع الشعري في مصر، برغم النكران النقدي والاحتقار الإعلامي للثقافة، وقد تعرفت على أنيس عبر نافذة «فيس بوك» التي يستخدمها في اشعاره ضمن مفردات ثورة التواصل التي تهضمها قصيدة، وتستخدمها بتوافق بديع مع مفردات الذاكرة والتراث الشعبي القديم، وأجواء الحياة العفوية في مدن الدلتا التي اغتصبت القاهرة تاريخها.!

(6)

بالأمس انتشر ڤيديو قصير عبر الفيس بوك/ ربما كان الأكثر مشاهدة:

بنت ترقص الباليه في شارع فيصل/ كان الأمر لافتًا جدًا / وأثار موجات من الإعجاب..

تقول صديقة: «أنا لم يعجبني ما فَعَلَتْ/ كيف ترقص هنا/ وسط هذه الضوضاء؟/ أين الموسيقى؟»

يقول نيتشه: «الذين مارسوا الرقص/ كانوا دوما حمقى ومجانين/ في أعين الذين لا يستطيعون سماع الموسيقى»

تقول صديقتي: وما الموسيقي في حضرة التوكتوك والميكروباصات/ وهرولة الوجوه المتعبة؟

أقول أنا: «من قال إن الموسيقى تأتي من الخارج فقط ؟/ ربما هي ترقص/ لأن حبيبًا ما آتى/ أو لأنه لم يأتِ../ لأن قبلة ما/ ناقصة/ أو زائدة../ لأنها سكرانة/ أو فاقت من سكرتها/ في الحقيقة لم تكن البنت أصلًا من لفت إنتباهي/ بل هذا الأربعيني بحقيبة ظهر سوداء/ المار بجوارها في أول الڤيديو/ كيف لم يلتفت/ ولو للحظة؟/ ربما هو متحضر جدًا فلم يرد أن يفسد مزاجها/ أو هو بائس جدًا/ يحمل ما هو أثقل من حقيبة/ وربما هو مثلي/ في خصام مع الموسيقى/ فأنا أيضا منذ صدقت نيتشه/ توقفت عن سماع الموسيقى/ لا لشئ/ إلا لأراقب عن كثب/ ملايين الحمقى والمجانين/ يرقصون بدأب يومي/ رقصتهم الأخيرة/ على جسد الحضارة المتداعي

(7)

أنيس بصوته الهادئ، يمضي في طريقه كدرويش صامت نذر نفسه لمحاربة النسيان، «وأنت تعرف/ كم هو مؤلم جداً/ أن تُهمل هكذا بسهولة/ كهمزة وصلٍ/ فلا تُكتب/ ولا تُنطق/ أو أن تُنسى/ كهدفٍ ملغي/ ليس للأمر علاقة بالنحو/ فقط لو يخبرنا أحدهم/ ماذا يفعل الجنود الآتون/ بعد انتهاء الملحمة؟».. الملحمة والنسيان، وجحافل التبديل والاجتياح، وزهايمر التاريخ وسوس الذاكرة، هي أكثر ما يؤرق أحمد أنيس ويؤلمه..

(8)

يبدو الأمرُ صعباً من بدايته../ أن تدافع عن مدينة تبدلت/ لذا فكرت أن أكذب قليلاً / ثم انتبهت / لأنك صاحبي/ لذا../ سأزعم أننا أكثر براءة من حقيقتنا..

لنقل مثلا: إنها حين باعت نفسها للسماسرة الجدد/ ربما اختلط عليها أمرنا / فلم تفهم/ أن لا تعارض بين حب العاهرات، وكراهية القواد.

(9)

يكتب أنيس مجموعة من الرسائل إلى صديقه المبدع أحمد سعيد يسأله في إحداها: تذكر كم مرة غنينا مع رامبو: «الكل يبحث عن المفتاح»؟/ هكذا/ أضعنا الوقت/ أضعنا العمر/ بين الصحف والصحائف والكتب القديمة/ وبينما نتناقش في الفروق بين طبعة بيروت وطبعة بغداد/ وأيهما أفضل/ ضاعت بيروت/ ثم ضاعت بغداد/ ونسينا أن الأمر قديم جداً/ ربما من قبل إبني «آدم»/ الله أخبرنا بهذا/ على لسان الملائكة (...) البعض مهمته ابتكار طرق جديدة للقتل/ والبعض يحاول النجاة/ والبعض يبحث عن البوكيمون/ ووحدنا أضعنا العمر نبحث عن المفتاح/ يا أخي هل فكرت ولو لمرة: كم كان رامبو جميلا وصادقاً/ حين تركنا ليتاجر في العبيد؟

(بقايا الشهيد)

في المقهى المطل على الميدان/ صورة من بداية الحرب/ شهيد بالأبيض والأسود/ كان هذا قبل أن يتلوَّن الشهداء (...) يمكنك أن تلمح الرجل الذي يخفي الحكايات في جيوب المعطف/ الرجل الذي علقت الحرب بجلده/ وأضاع قلبه بين المولد والمسرح/ ينفث دخانه كقاطرة بوجه التجديدات التي تحاول تغيير المكان/ اختفت كتابة الجدران/ ظهرت لافتات دعائية وملصقات انتخابية/ تغيَّر مزاج الزبائن/ كثُرت مشاجرات الدومينو (...) بجوار طلاء من زمن الغارات/ كيف نجا هذا الأزرق من فخ التجديد؟ (...) بوسعك الآن أن ترى هذا: مربع مطلي بالأزرق الداكن/ ينظر إلى صورة بالأبيض والأسود/ يسأل عن الرجل الذي ترك كل شيء/ ويسخر من زبائن حمقى/ يظنون أن الحرب انتهت؟!

..........................................................................................................................

توضيح: الاستشهادات الشعرية مقتطفات متناثرة، وليست قصائد كاملة، ولاعيب أن يعتذر المقال للقصيدة، فالضرورة اقتضت أن يُحَوَّلها عمداً إلى أشلاء شهيد، أو بقايا زمن حميم، ليفوح المعنى على حساب المبنى.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق