اخبار اليوم مصر وتركيا وإيران

0 تعليق 14 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يتساءل الناس: وكيف تكون مصر وتركيا، ومصر وإيران فى عداوة لهذا الحد، عشرات السنوات. والكل مسلم. والإسلام يحث على المصالحة بين الإخوة «فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ». يبدو أن المصلحة القطرية تتغلب على المصلحة الإقليمية. وتعنى المصلحة القطرية نظام الحكم الذى يخشى على نفسه من مظاهرات الداخل، وتأييد الخارج القريب، قبل الخارج البعيد لها. وإذا كان العرب إخوة بحكم الجوار فإن الأتراك والإيرانيين أولاد عمومة. وابن العم مثل الشقيق فى الثقافة العربية، مثل الأم والخال كما هو واضح فى رواية طه حسين «دعاء الكروان».

ويظن الغربيون والأمريكيون أن الشرق الأوسط منطقة خالية إلا من إسرائيل والسعودية. وهو فى حاجة لمن يملؤه. فشعوبه نائمة وحكامه مستبدون. والمنطقة شاسعة، غنية بالنفط. يهاجر منها من يستطيع. ولا أحد يريد أن يعيش فى أوطانها. لذلك تقدم الاقتراحات فى خلق شرق أوسط جديد أو شرق أوسط كبير. تملؤه تركيا وإيران مع العرب. وهو أشبه بحلف بغداد القديم بين بغداد وطهران.

والآن أمريكا تحوم حول الشرق الأوسط. تتصالح مع إيران. وترفع عنها الحصار. وتساند تركيا فى حالة العدوان عليها. وهو شىء طبيعى لأنها جزء من حلف شمال الأطلنطى. وتركيا تحاول منذ مدة الدخول فى الاتحاد الأوروبى ولكن يُنظر إليها باعتبارها شرقية لا غربية. حدودها مع العرب وروسيا. ثم جاء حزب العدالة والتنمية بالتوجه نحو الشرق دفاعا عن كرامة تركيا التى يُنظر إليها نظرة دونية من الغرب. وهى التى وصلت جيوشها إلى فيينا. وحكمت شرق أوروبا عدة قرون.

الآن تحوم أمريكا حول الشرق الأوسط من الأطراف، تركيا وإيران. وتقوم بتصور حلف جديد معهما ولحصار المنطقة العربية فى حالة لو استيقظ العرب. وتطمئن إلى الوسط بقاعدة عسكرية فى قطر، وأخرى فى الدمام فى السعودية. والآن تنظيم الدولة يملأ الفراغ. ويحارب فى العراق وسوريا واليمن. ويهدد استقرار باقى الدول العربية بل الغربية. وأمريكا صامتة إلا بالكلام. مادام التنظيم لا يهدد إسرائيل، بل يهدد الدول الوطنية التى حاربت إسرائيل عدة مرات. بين الهزيمة والنصر.

وقد تقلصت سياسة مصر الخارجية بعد عبدالناصر. وأصبحت سياسة قطرية «مصر أولا». وانتشرت هذه السياسة فى الوطن العربى: «الأردن أولا»، «الكويت أولا». وامتدت سياسة مصر فى عصره إلى أفريقيا وأنشأ «منظمة الوحدة الأفريقية» ومكانها أديس أبابا التى تعارض سياستها مصلحة مصر الآن ببناء سد النهضة الذى قد يمنع جزءا كبيرا من مياه الرى فى مصر حتى تصاب بالجفاف. وكانت سياسته تجاه إيران ضد الشاه المتحالف مع أمريكا بالرغم من زواجه من الملكة فريدة أخت الملك فاروق، ملك مصر السابق الذى أطاحت به ثورة يوليو 1952. وكانت علاقة مصر مع الشاه فى عهد الرئيس المغدور على أفضل ما يكون. فكلاهما متحالف مع أمريكا وإسرائيل حتى إن الشاه عندما هرب بعد الثورة الإسلامية فى إيران لم يجد مكانا يحط فيه إلا مصر، ومكانا يروى ثراه إلا مصر. ولقد كان عبدالناصر يمد المجاهدين بالسلاح عن طريق بغداد. فالشاه كان أمريكى الاتجاه، وجزءا من حلف بغداد وطهران. وإيران هى الممر إلى آسيا.

ومصر لا تستطيع أن تتحالف مع تركيا وإيران إلا إذا تمت المصالحة الداخلية أولا مع الإسلام السياسى حتى تستطيع أن تقف على قدميها، وتمد يديها الاثنتين، واحدة إلى تركيا، والثانية إلى إيران. ولما كان الأقربون أولى بالشفعة فإن دور مصر إيقاف الحرب فى العراق وسوريا وليبيا واليمن لقوتها وتاريخها والتراث الناصرى المشترك بينهم. وبعد ذلك تأتى أطراف الوطن العربى مع إيران وتركيا لحماية حدود الوطن العربى من تنظيم الدولة.

والتصوف الإيرانى له امتداداته فى مصر مثل سعدى وحافظ الشيرازى، وعمر الخيام الذى غنته أم كلثوم وإقبال. وانتشرت اللغة الفارسية. وأنشئت لها أقسام اللغات الشرقية التى قام أساتذتها بترجمة معظم دواوين الشعر الفارسى مثل «الشاهنامة». وإيران جزء من تاريخ مصر الثقافى. ولكن من لا يريدون الصداقة بين الجارتين يغذون النعرة الطائفية. فيتحول الصديق إلى عدو، والعدو إلى صديق مثل إسرائيل.

أما تركيا، فمصر كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية على مدى خمسة قرون بعد أن أتاها السلطان محمد الفاتح عام 1517. وعكست كل مظاهر التخلف العثمانى فيها مثل الاستبداد واضطهاد القوميات التى تريد الانفصال مثل الأرمن ودعاة القومية العربية. والتاريخ لا تمحوه الذكريات، والذكريات لا تمحو التاريخ. والآن دور العرب مساعدة تركيا على التوجه نحو الشرق، امتدادها الطبيعى حتى أواسط آسيا. كما يجب تشجيعها على القطيعة مع إسرائيل، والدفاع عن فلسطين، والعمل على فك الحصار عن غزة. وهو ما لم يستطعه العرب حتى الآن. بل زادوا الحصار حصارا بإغلاق الحدود مع مصر خوفا من تهريب السلاح إلى الحركات الإسلامية داخل مصر التى دمرت الأنفاق، وأقامت منطقة محايدة. وهو ما كانت تتمناه إسرائيل دائما. وتركيا الآن تقوم بدور مصر فى المفاوضات بين فلسطين وإسرائيل.

والكل يعلم أن محمد على بانى مصر الحديثة الذى أتى دفاعا عن مصر ضد الحملة الفرنسية. كان عسكريا فى الجيش التركى، ولو أنه من أصول ألبانية. كان أميا ولكن اختاره علماء الأزهر أصحاب السلطة فى البلاد بالرغم من حكم المماليك. دبر مذبحة القلعة للتخلص منهم وينفرد بحكم مصر. وكان فى ذهنه الدولة الحديثة، فى الزراعة: القناطر الخيرية، وشق القنوات، وإقامة الجسور. وفى الصناعة: تأسيس المهندسخانة، وفى الجيش: بناء جيش حديث وأسطول بحرى يستطيع الوقوف فى مواجهة الدول الأجنبية حتى خافت منه إنجلترا وفرنسا وهزمته فى موقعة نوارين البحرية فى 1848. وبنى المدارس ومنها سليمان جاويش كاتخدا، خليل أغا. وأنشأ وزيره على مبارك دار العلوم لكى يحدث العلوم الدينية فى الأزهر. وخطط المدن واستمر حفيده إسماعيل فى بناء القاهرة ودار الأوبرا وتخطيط القاهرة. وكانت اللغة التركية بجوار العربية وسيلة للتخاطب. ودخلت كثير من الألفاظ التركية إلى اللغة العربية. وبنى أحفاده القصور التى أصبحت جزءا من تاريخ الآثار المصرية. وفى السياسة مازالت الأحزاب الوطنية مرتبطة بتركيا مثل الحزب الوطنى، مصطفى كامل، محمد فريد حتى ثورة يوليو 1952، وشخصية فتحى رضوان. وبعض الفنانات المصريات من أصل تركى مثل هند رستم. وتداخلت الألحان التركية مع الألحان المصرية حتى سيد درويش مثل «لما بدا يتثنى».

مجموع القوى البشرية بين مصر وإيران وتركيا يصل إلى مئتى وخمسين مليون نسمة، ثلاثة جيوش مجتمعة، إمكانيات زراعية وصناعية وتجارية. تستطيع الثلاثة أن تكون جدارا حاميا لحدود الوطن العربى من غزو تنظيم الدولة. ورفع التناقض بين سوريا وتركيا، بين إيران والعراق ودول الخليج وكأننا فى العصر الوسيط، كل دولة تغزو جارتها مادامت قادرة على ذلك. ويخف التناقض بين الشيعة فى إيران والسنة فى تركيا وباقى الوطن العربى. فالمسلمون أمة واحدة، ماداموا يتشهدون، ويشهدون بوحدانية الله.

تركيا وإيران تكونان جدارا يحيط بالوطن العربى ويحميه من غزو أمريكا للعراق وتدميره والقضاء على وحدته ربما لمئات السنين. كما يحميه من الطيران السوفيتى الذى قتل مئات المدنيين بدعوى قتال تنظيم الدولة. ويمكن فتح الحدود بين الدول الثلاث. فالعرب والإيرانيون والأتراك ليسوا بأقل من الاتحاد الأوروبى. وبالتالى إقامة «شنجن» عربى تركى إيرانى حتى تعود إلى الأمة وحدتها. وتحل مشكلة الأكراد والأرمن. وتنتهى اتفاقية سايكس بيكو.

يدرك الجميع الآن خطورة التفكير القطرى والسياسة القطرية، وضرورة تأسيس وحدة إقليمية عربية إيرانية تركية تكون مركز ثقل للإسلام الآسيوى الأفريقى الذى استطاع عبدالناصر مع نهرو وتيتو تأسيسه فى عصر التحرر الوطنى، العالم الثالث، التضامن الآسيوى الأفريقى، وعدم الانحياز، والحياد الإيجابى. هذه الكتلة الجديدة يمكنها أن تملأ الفراغ الذى تريد أمريكا وإسرائيل أن تقوم به. وتحاصر إسرائيل حتى تعود فلسطين إلى أهلها وربما دون حرب.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق