اخبار اليوم سبحان من أنطق الجماد

0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة

مما قاله قدماء المفكرين والفلاسفة أمثال (أوميروس وبلوطرخس وتيوفرست) إن الموسيقى تشفى من الطاعون ولدغ الهوام، وزعم قوم من المتأخرين منهم (ديمربروك وبونيت وكرخر) أنها تشفى من السل ومرض الكَلب، وذهب غيرهم إلى أبعد من ذلك، وزعم بورتا أنه إذا اتخذت المعازف من خشب بعض العقاقير الطبية وضرب بها على سماع العليل فعلت فعل العقار نفسه.

وقيل عن «كلمنصو»، السياسى الشهير، ورئيس وزراء فرنسا فى الربع الأول من القرن العشرين، إنه عندما قابل «بتروفسكى»- رئيس وزراء بولونيا الذى كان من مشاهير العازفين على البيانو ثم تحول إلى مجال السياسة- سأله: هل تركت الموسيقى ودخلت السياسة؟ فأجابه «بتروفسكى»: نعم. فرد عليه «كلمنصو» قائلاً: «يا له من تقهقر!».

وروى عن الخليفة العباسى العظيم «هارون الرشيد»، الذى اشتهر عنه حب الشعر والموسيقى الحكاية التالية:

دُعيت الجارية «زلزل» إلى الغناء فى حضرة الخليفة فقال لها غنّى صوتاً فغنت:

العين تُظهر كتمانى وتُبديه والقلب يكتم ما ضمَّنتهُ فيه

فكيف ينكتم المكتوم بينهما والعين تُظهره والقلب يخفيه

فأمر بأن تباع وتعتق، ولايزل يجرى عليها إلى أن ماتت.

والغريب أن الموسيقى الشرقية بشكلها الحالى بدأت على يد محمد على باشا الكبير، فرغم أن أصوله من مدينة «قَوَلَه»، غير أنه كان محباً للموسيقى الشرقية، فأسس فى مصر مدرسة الأصوات والطبول سنة 1824، ومدرسة أخرى بناحية الخانقاة فى شهر أغسطس سنة 1827، ومدرسة للعزف بالنخيلة فى إبريل سنة 1829، ومدرسة للمحترفين (الآلاتية) سنة 1834. وانتقل هذا الميل بالوراثة منه إلى أبنائه وأحفاده، وشغف حفيده الخديو إسماعيل بها شغفاً شديداً وأرهف غرار عزمه لتوسيع نطاقها، فأصبح للعلوم والفنون الجميلة نصيراً، وللموسيقى الشرقية والغناء العربى حامياً وظهيراً. فما كاد يظهر عبده الحامولى فى عالم الغناء المصرى، حتى قربه إليه، وأوفده فى الحال إلى الأستانة ليقتبس عن الموسيقى التركية ما يروق له، وليختار من نغماتها ما يلائم الذوق المصرى والروح الشرقية. (الكلام على لسان الأستاذ «قسطندى رزق» الموسيقى وكاتب السيرة الذاتية للفنان عبده الحامولى.. وهو رأى قابل للنقد والمحاججة من المختصين).

ونذكر فيما يلى بعض أشهر الموسيقيين والمغنيين فى أوائل القرن العشرين الذين طالهم النسيان، ومنهم «أحمد الليثى» العواد، ولد فى الإسكندرية 1816، ومات 1913، لم يشتهر سواه فى تصوير النغمات بالأصابع دون الريشة، لأن العادة المتبعة فى الأستانة أن تستعمل الريشة للعزف ابتداء من التقسيمة أو خلافها من القطع لغاية التسليم (النهاية)، وهذه الطريقة تسمى «المزراب»، وقد خالفها الليثى فى مصر بأن استعمل الأصابع دون الريشة لاستخراج الأصوات، وسميت طريقته بالبصم. ثم الشيخ «يوسف المنيلاوى»، الذى وُلد بمنطقة «منيل الروضة» فى القاهرة، أَلِفَ منذ حداثته الإنشاد الدينى الذى اقتبسه عن شيخيه «خليل محرم» و«محمد المسلوب»، سمعه عبده الحامولى فاستحسن صوته وأشار عليه بترك الإنشاد لممارسة الغناء، فاندمج فى سلك المطربين وأخذ عن «عبده الحامولى» و«محمد عثمان»، كما سافر إلى الأستانة وغنى أمام السلطان عبدالحميد لأول مرة القصيدة المشهورة التى مطلعها:

تِه دلالاً فأنت أهل لذاك وتحكّم فالحسن قد أعطاكَ

ولك الأمر فاقِض ما أنت قاضِ فعلى الجمالُ قد ولاّكَ

وأنعم عليه السلطان بالنيشان المجيدى، وقد أعطى صوته سنة 1908 لشركة عمر أفندى للأسطوانات، وكُتب على أسطواناته لفظتا «سمع الملوك»، ثم عبّأت له شركة «جراموفون» عدة أسطونات سنة 1910، وقضى نحبه سنة 1911. ومن لطيف النكت نقلاً عن جريدة الاتحاد العثمانى البيروتية التى نعت الشيخ، أنه ذكرت ما يأتى: أن بعضهم سمع فى الليلة الماضية صوت الفقيد فى الفونوغراف ينشد قول الشاعر «فلا كبدى تُبلى» فقال سبحان الله ميت يتكلم وقد بُليت كبده، وهو يقول «فلا كبدى تُبلى» فسبحان منَ أنطق الجماد وأمات المتكلم وعلم الإنسان ما لم يعلم.

(المصدر: كتاب الموسيقى الشرقية- قسطندى رزق)

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق