اخبار اليوم اللواء عبد المنعم سعيد يروى ذكرياته عن الأيام العصيبة: «غرفة العمليات».. 22 يوماً من إدارة «معركة الكرامة»

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

صورة للرئيس الراحل محمد أنور السادات وسط قيادات الجيش وقادة الأركان، أمامه منضدة كبيرة، وعليها خريطة مصر، هذه واحدة من أبرز الصور المرسومة على جدران بانوراما حرب 6 أكتوبر، هذه واحدة من الصور الخاصة لغرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة، التى اجتمع داخلها قيادات القوات المسلحة لمتابعة الموقف على الجبهة، تلك الغرفة التى مكثت فيها القيادات منذ 6 أكتوبر، حتى 28 أكتوبر، حملت الكثير من الذكريات التى حاولت «المصرى اليوم» إزاحة الستار عنها فى الذكرى الـ43 لحرب أكتوبر المجيدة، من خلال اللواء عبدالمنعم سعيد أحد أعضاء هذه الغرفة فى هذا الوقت، الذى حرص على استعراض ذكرياته منذ حرب الاستنزاف حتى يوم النصر.

رغم مرور 43 عاما على ذكرى حرب أكتوبر، التى توافق يوم 6 أكتوبر عام 1973، إلا أنه ما زال يتذكر وقائع الحرب مثلما حدثت تماما، ويصف غرفة العمليات المركزية للحرب التى اجتمع فيها قيادات الجيش، فى هذا الوقت، كما لو كان ما زال داخلها، فما زال يتذكر الأوامر التى يتلقاها من قادة الأفرع والجيوش يوم الحرب، والإذاعة الداخلية لغرفة العمليات وهى تنشر أخبار خسائر جيش العدو من جراء هجوم أسلحة الجيش المصرى المختلفة.

اللواء عبدالمنعم سعيد، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة الأسبق، تقلد عدد من المناصب داخل القوات المسلحة من بينها قائد الجيش الثانى الميدانى الأسبق، وعدد المناصب المدنية ومحافظ جنوب سيناء والبحر الأحمر الأسبق، شارك فى الإعداد لخطة الحرب فى عام 1973، عندما كان عقيد أركان حرب بشعبة العمليات بقيادة الجيش فى هذا الوقت، وكانت غرفة العمليات المركزية للحرب هى موقعه أثناء الحرب، التى روى ذكرياته عنها لـ«المصرى اليوم».

نياشين وأنواط عسكرية، صور لشهادات تقدير، وصور للقيادات الجيش أثناء حرب أكتوبر، احتفظ بها اللواء عبدالمنعم سعيد داخل مكتبه الذى يحوى جميع ذكريات حرب أكتوبر، على حد وصفه، لم يكتف بحفظ هذه الذكريات فقط داخل الغرفة بل يضع ما استطاع جمعه من صور داخل الغرفة المركزية لقيادة العمليات أثناء الحرب على هاتفه المحمول، وينظر إليها بين الحين والآخر لكى لا ينسى ذكرياته التى عاشها فى هذه الغرفة على مدار شهر كامل.

قال اللواء عبدالمنعم سعيد إن حرب أكتوبر كان هدفها استعادة الثقة فى كفاءة الجيش المصرى، بعد أن تلقى هزيمة يرى أنه «لا ذنب له فيها»، ويفسر ذلك بأن الهزيمة حدثت بسبب تواجد أكبر قدر من قوات الجيش فى اليمن للدفاع عن الثورة هناك، وفوجئنا بأن قوات العدو ضربت الطيران المصرى فى المطارات وتمكنت القوات الإسرائيلية من الوصول إلى خط القناة ولم يتبق إلا «عنق الوزة» كما أطلقت القيادات عليها من القنطرة شرق إلى بورفؤاد فهذا الجزء ما تم الحفاظ عليه وحدثت الهزيمة.

لم يكن الوضع الاقتصادى فى أواخر الستينيات جيدا، ولكن تمكنت القوات المسلحة من إعادة شتاتها مرة أخرى من خلال المساعدات التى تلقتها من الدول العربية والاتحاد السوفيتى فى توفير الموارد المالية والأسلحة.

فى 1 يناير 1968 بدأت تكوين الجيش الثانى والثالث الميدانى وفور عودة اللواء عبدالمنعم من الدراسة فى الاتحاد السوفيتى، التحق بالجيش الثانى الميدانى كضابط خطط فى شعبة العمليات لقيادة الجيش فى الجيش الثانى الميدانى، وكان اللواء أحمد إسماعيل كان قائد الجيش الثانى الميدانى فى هذا الوقت.

يتذكر فترة الإعداد لحرب الاستنزاف قال : «بدأنا نعد المواقع وجهزناها تجهيزا جيدا للاستعداد لمرحلة الصراع المسلح مع الجانب الإسرائيلى، فبدأنا الاشتباك مع أى أفراد تشتبك مع الساتر الترابى، كانت مجرد اشتباكات استمرت عدة أشهر، وكانت متزامنة مع المفاوضات للانسحاب، إلى أن لم تأت المفاوضات بشىء فبدأت حرب الاستنزاف.

كان السبب فى حرب الاستنزاف التى استمرت 500 يوم كاملة هو استنزاف قوات العدو والتعرف على مواقع العدو وقدراته هو نظرا لعدم قدرة القوات المسلحة المصرية على استعادة الأرض بالكامل، بالإضافة إلى عدم انسحاب القوات الإسرائيلية.

فى أواخر عام 1972 أصدر الرئيس السادات قرارا بتعيين المشير أحمد إسماعيل قائدا للقوات المسلحة، ووزيرا للحربية، كان هذا الخبر ينذر بأن الحرب باتت وشيكة نظرا لمشاركته فى أكثر من حرب، وهذا ما أكده اللواء عبدالمنعم سعيد فور تولى «الحربجى» المشير أحمد إسماعيل، كما أطلقنا عليه فى هذا الوقت تأكدنا أن الحرب وشيكة.

فى أوخر 1972 صدرت الأوامر بالإعداد لخطة الحرب، وبالفعل بدأنا فى دراسة كل الاحتمالات الممكنة، وأكد فى هذه الأثناء قيادات الجيش أن قوات المسلحة ليس لديها القدرة على الإعداد لخطة لتحرير الأرض كاملة، قال اللواء عبدالمنعم سعيد بأنه يتذكر هذا اللقاء الذى سمعه من أحد القيادات أن الرئيس السادات أشار بيده إلى خريطة مصر أنه يريد فقط «شبر من الأرض» أى المقصود به 20 كيلو على الخريطة أى خط بارليف فى عمق 14 كيلومترا.

شارك فى الإعداد لخطة الحرب بعد أن وصل إلى رتبة عقيد أركان حرب بهيئة العمليات بالقوات المسلحة وبدأ العد التنازلى للحرب قبل موعدها بأربعين يوم، وبدأت ذكرياته مع غرفة العمليات المركزية للحرب إلى أن جاء اليوم الموعود.

الزمان يوم 6 أكتوبر، الساعة الواحدة ظهرا، المكان غرفة العمليات المركزية للحرب والتى تقع فى القاهرة فى مركز القيادة العامة للقوات المسلحة، ولكنها غرفة سرية تحت الأرض على حد وصف اللواء عبدالمنعم سعيد، دخل رئيس الجمهورية مركز العمليات فى الغرفة الرئيسية الساعة الواحدة ظهرا لمتابعة حركة أفرع الجيش وقياداته.

يصف اللواء عبدالمنعم سعيد لـ«المصرى اليوم» تكوين الغرفة بأنها غرفة مربعة بها أربعة أركان رئيسية، الركن الرئيسى به منضدة عريضة يجلس عليها الرئيس السادات، المشير أحمد إسماعيل وزير الدفاع القائد العام والفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان، وضابط الاتصال للتنسيق مع سوريا أثناء الحرب لأنه واثنين من الضباط برتبة مقدم مسؤولون عن كتابة الأوامر التى تصدر من الوزير. أمامها خريطة كبيرة عليها خطة الحرب، وبجوارها منضدة عليها الضباط العقداء، كان اللواء عبدالمنعم واحدا منهم مسؤولين عن متابعة تنفيذ الخطة ويتناوبون العمل.

يكمل الوصف بأن هناك جانبا آخر عليه شاشة كبيرة سوداء يقف عليها عدد من العساكر يرتدون رداء سماعات أجهزة اللاسلكى ومهمتهم تسجيل حركة الطيران للجانبين وصواريخ الدفاع الجوى ورسمها على الشاشة كما يتلقاها، وهذه الشاشة فى وضع مقابل للمنضدة التى يجلس عليها القادة.

فى مقابل منضدة القيادات يوجد بنش صغير يجلس عليه رئيس هئية العمليات وهو اللواء محمد عبدالغنى الجمسى ونائبه وهو اللواء غنيم مهمتم التبديل مع بعض لمتابعة الجبهة.

أمام الغرفة الرئيسية طرقة طويلة بها عدد من الغرف على اليمين والشمال، كل غرفة متصلة بسلاح من الأسلحة وفى آخرها الغرفة الرئيسية التى جلس فيها اللواء عبدالمنعم بصحبة قيادات الجيش، والتى تتلقى أخبار الأسلحة المختلفة من قادة الأفرع والتى تنقل من الغرف الفرعية إلى الغرفة المركزية وذلك بواسطة ضباط معينين على اتصال بقياداتهم لتقلى البلاغات من الجبهة.

عن لحظة انطلاق القوات الجوية قال «جاءت لحظة الانطلاق وهى الساعة 1450 أى الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرا، قال عن هذه اللحظات إن جميع القيادات التصقت أعينهم بالساعة الموجودة بالغرفة، ودقات قلوبهم أعلى من دقات عقارب الساعة، والجميع فى حالة الترقب لسماع خبر أول طلعة جوية.

فى خلال ساعة وصلت عبر الإذاعة الداخلية بالغرفة أخبار الطلعات الجوية، واقتحام القناة وعبور خط بارليف كان اللواء عبدالمنعم هو المسؤول عن تسجيل المكاسب والخسائر للجانبين، ورسم حركة القوات على الخريطة وسلمها إلى رئيس هيئة العمليات لعرضها على القيادات.

أضاف: ظللنا فى الغرفة من 6 أكتوبر حتى 28 أكتوبر حتى توقف القتال، وهدأت العمليات على الجبهة، وفى هذه الغرفة تلقى الرئيس السادات نبأ استشهاد أخيه، وتلقينا أخبار حدوث الثغرة، فكانت الاجتماعات تحدث بشكل دورى مع كل خبر جديد ينبئ بوجود خطر على الجبهة، أو يستلزم تحرك القوات، يشرح اللواء عبدالمنعم كيفية عمله فى هذا الوقت، حيث كان يعرض على اللواء الجمسى آخر المستجدات لعرضها على قادة الجيش، ومرفق معها رأيه هو وزميله كمقترحات لتغير الحركة على الجبهة، فقال «القرار يخرج بالتشاور مع قادة الجيش وعلينا التواصل مع قادة باقى القادة من خلال الاتصالات اللاسلكية ومن هنا بدأنا نخطط فى هذه الغرفة كيف ندمر هذه الثغرة».

جاء كسينجر لبدء المفاوضات وطالبوا بفك حصار باب المندب لفك الحصار على قوات الإسرائيلية ووافق الرئيس السادات وبدأت المفاوضات وانسحب القوات حتى دخلنا فى اتفاقية السلام.

يوم 8 أكتوبر، تحلل قائد أركان القوات المُسلحة ومُهندِس خطة العبور «الفريق سعد الدين الشاذلى» من مُقامه بغرفة العمليّات المركزيّة بقلب العاصمة كأحد قادة الجيش المنكبين على طاولة الاجتماع لمتابعة تنفيذ الحرب المُخططة بعناية، وارتحَل إلى قلب الميدان بسيناء ليزامِل جنود الجبهة، وبالرغم من أنه رُبما يكون قد عاد مرة أخرى بعد هذه المغادرة لأرض المعركة، إلا أنها عمليًا كانت بداية نهاية علاقة الرجُل بصناعة القرار العسكرى فى الجيش المصرى.

«عملية هجومية مُحددة»، كانت هذه فلسفة خطة العُبور التى وضعها سعد الدين الشاذلى، كرجُل وثق فيه السادات وصعّده رئيسًا للأركان القوات المُسلحة عام 1971 ليضطلع بوضع الأساس العسكرى لخُطة التحرير مدعومًا بثقة كُبرى من قائد القوات المُسلّحة الأعلى، غير أن «تطوير خطة الهجوم» خلاف ما رأى الشاذلى أنه فى صالح الجيش المصرى، أودى بمصير هذه الثقة.

تخفيف الضغط على سوريا كان وقتها مُسوّغ وزير الحربيّة المُشير أحمد إسماعيل، مدفوعًا بالمُباغتة المصرية الناجحة للجانب الإسرائيلى فى السادس من أكتوبر التى تمّت بحذافيرها لـ«تفقد العدو توازنه» حد تعبير السادات الشهير، لكن الشاذلى لم يكُن ليأمَن تقلُّبات المعركة وجيش العدو المدعوم أمريكيًا، ليعتذِر من وزير الحربية عن دعمه لتطوير خطة الهجوم على نحو غير المُخطط له من البداية، فيُعاجِل القرار السيادى الوزير أحمد إسماعيل وقائد أركانه سعد الدين الشاذلى بتطوير خطة الهجوم ما بعد القناة، متمخضًا عن واقع عسكرى جديد يستلزم التعامُل معه تمثل فى «ثغرة الدفرسوار».

رفض السادات مناورة الشاذلى المُقترحة لتصفية الثغرة، واعتبرها «انسحاب صُراح»، ورغم أن استبسال الجنود وتسارُع مساعى وقف إطلاق النار قبل انقضاء شهر أكتوبر، خففا ما كان للثغرة من تشويه للنصر المصرى، إلا أن رئيس هيئة الأركان لم يُتَح له الانتشاء بالمُنجَز العسكرى المصرى، وتحرير سيناء الجزئى، شأنه شأن باقى رِفاق غرفة العمليات المركزية، ففى الثالث عشر من ديسمبر، أنهى الرجُل علاقته كرهًا بالجُندية المصرية، بتسريحه من الجيش المصرى.

وبالتزامن مع مراسم زهو العسكرية المصرية بنصر أكتوبر الممهور ببنيات أفكار الداهية الحربية، كان الفريق سعد الدين الشاذلى يحزِم أمتعته للسفر لبريطانيا سفيرًا لمصر، بعد دفع مقصودٍ به لميدان الدبلوماسية، وبعيدًا عن المجد العسكرى، تلاه اعتماده سفيرًا لمصر فى البرتغال، غير أن الخلاف بينه وبين السادات ما لبث أن تفاقم بنشر مذكرات الثنائى «البحث عن الذات» و«مذكرات حرب أكتوبر»، ونزاع كليهما الأدبى على خطة العبور. ولم يكُن عهد محمد أنور السادات آخر فصول التنكيل العسكرىّ بالرجُل، والذى امتد لآخر أيامه، والتى صادفت أن سبقت خلع مُبارك بيوم واحِد فى العاشر من يناير 2011، الذى كان قد حوكم فى عهده غيابيًا بتهمة إفشاء الأسرار العسكرية، وألقى القبض عليه فور عودته من الجزائر لاجئًا سياسيًا، ليُمضى نصف مدته ويخرُج بعفو رئاسى. أعيدت قلادة النيل العظمى لأسرة رئيس أركان القوات المسلحة إبان حرب أكتوبر، فى الثالث من أكتوبر عام 2012، بعد عام من وفاته عن عُمر يناهز الثامنة والثمانين.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق