اخبار اليوم أصحاب الملايين.. وأصحاب الملاليم

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

باعتبارى موظفاً بالدولة أولاً وأخيراً، أى أتقاضى راتباً فى نهاية كل شهر، قد أرى فى حيازة رقم المليون جنيه من الضخامة، لدرجة الاستنكار والاستكثار، فما بالنا برقم المليار؟! لكن الأمر حين يتعلق برجل أعمال من الوزن الثقيل، أو حتى المتوسط، بالتأكيد سوف يختلف من كل الوجوه. قد يرفض رجل الأعمال الشراكة فى مشروع ما، لمجرد أنه سوف يعود عليه فى النهاية بمليون واحد أو اثنين مثلاً، وقد يرفض بيع هذا المشروع أو ذاك، لأنه لن يحقق له مكسباً سوى ثلاثة ملايين أو أربعة، وقد يندب حظه فى نهاية العام، لأنه لم يحقق أرباحاً تزيد على العشرة ملايين.

الغريب فى الأمر أن وسائل الإعلام تتعامل مع خبر الملايين، فيما يتعلق بقضايا رجال الأعمال، من منظور الرواتب الشهرية، كما هو حال المحققين تماماً، كما هو حال الرأى العام. حديث الملايين وعشرات الملايين ومئات الملايين أصبح مقترناً فى العقلية المصرية بصفة عامة، بالسرقة والنهب والهبش، وأموال الشعب، وأموال الدولة، وفلوس الغلابة، وما إلى ذلك من اتهامات طالت معظم، أو ربما كل أصحاب رؤوس الأموال، على اعتبار أنهم منحرفون، وعليهم إثبات العكس.

من هنا كانت الدعوات طوال الوقت، فيما بعد ٢٥ يناير ٢٠١١، تنحصر حول: مصادرة أموال رجال الأعمال، حبس رجال الأعمال، اعتقال رجال الأعمال، بعد أن تم الترويج لذلك المسمى، على أنه مرادف للفساد وانعدام الضمير، بما يعنى أننا فى مجتمع، لا مجال فيه لا للأعمال، ولا لرجال الأعمال، وبالتالى كانت عمليات القبض على رجال الأعمال هى الأكثر شيوعاً، فى الوقت الذى استشرت فيه الجريمة، وهرب عشرات الآلاف من المسجلين خطراً إلى خارج السجون.

الغريب فى الأمر، أنه بعد مرور نحو ٦ سنوات على هذه الأحداث، وحصول نسبة ٩٩٪‏ منهم على البراءات، من الاتهامات التى وُجهت إليهم، لم تحاول الدولة إعادة استيعاب هؤلاء إلى مسارات الاستثمار والاقتصاد، بل على العكس، تم ربط مبالغ باهظة على معظمهم لتسديدها لسبب أو لآخر، لم تكن دائماً دقيقة، ولا حتى منطقية، لكنهم أرادوا إنقاذ أنفسهم وذويهم فى الوقت نفسه، وبموازاة ذلك أمسكت الدولة بزمام التنمية والتشييد، فى رسالة واضحة أنها لم تعد ترغب فى التعامل معهم.

الاقتصاد سقط سقوطاً مدوياً. العملة المحلية تهاوت إلى غير رجعة. الأسعار اشتعلت. الاحتياطى النقدى أصبح من الماضى، إلا أن كل ذلك لم يُثنِنَا عن موقفنا. الإعلام كما هو. المحققون كما هم. بالتالى ظل الرأى العام كما هو، الدولة على المستوى الرسمى أيضاً مازالت تتتعامل معهم بنفس العقلية، اتبرعوا لمصر، ادفعوا لتحيا مصر. المساومات مستمرة، الابتزاز سيد الموقف، المشروعات الكبرى وحتى الصغرى أصبحت من نصيب مؤسسة بعينها.

الأمر المثير للدهشة هو ذلك العذاب المهين الذى يجب أن يمر به المواطن، خاصة إذا كان من رجال الأعمال، حال أراد إجراء مصالحة مع الدولة، حتى يستطيع أن يعيش فى أمان، أو حتى يستطيع أن يعود إلى البلاد، فى حالة ما إذا كان خارجها، دون المرور على هذا الحبس أو ذلك السجن احتياطياً لعدة أعوام، ذلك العذاب الذى يستمتع ويتلذذ به أصحاب الرواتب الشهرية أمثالنا، من إعلاميين ومحققين ورأى عام، حتى تطور الأمر فيما يبدو إلى حالة مرَضية مستعصية، لم نعد معها نستطيع حبس دموع الفرح، ولا ابتسامات التشفى، ولا أقلام السخرية.

إنها فقط أرقام الملايين التى تسببت فى ذلك، ما بالنا إذا ارتبط الأمر بالحديث عن فيلات وقصور فى مارينا أو شرم الشيخ؟ ما بالنا إذا ارتبط بالحديث عن أملاك بالخارج؟ ما بالنا إذا ارتبط بالحديث عن أسفار ترفيهية؟ هنا تظهر كل العقد النفسية، هنا سوف نهتف، وسوف نثور، وسوف نستنكر، وسوف نشجب، إلى غير ذلك من كثير، كان له أكبر الأثر فى قرارات المحققين من أصحاب الرواتب الشهرية أيضاً، بحكم أنها ضغوط الرأى العام، والنزول على الاتجاه العام، وما يُتداول فى النقل العام، إلى غير ذلك من العمعمات.

الأمر أيها السادة، يجب أن ينطلق فى كل الأحوال من ثقافة مجتمعية وتعليمية ودينية، تأخذ فى الاعتبار أن هذه سُنَّة الله فى الكون، ألا وهى «والله فضَّل بعضكم على بعض فى الرزق»، ليس معنى ذلك أننا سوف نوافق أبداً على الاعتداء على المال العام، أو نهب أموال الدولة، أو التعدى على أملاك الدولة، لكننا يجب أن نتعامل مع مثل هذه الأمور بحجمها، فلا يعقل أبداً أن يظل هذا الشخص أو ذاك قيد الحبس لعدة أعوام، ثم يصدر الحكم ببراءته فى نهاية الأمر، وهكذا دواليك، إلى أن أصبحنا ننطلق فى تعاملاتنا من قاعدة (المتهم مُدان حتى تثبت براءته) بالمخالفة تماماً للقانون الوضعى، والسماوى، والمنطقى، والدولى، وهنا تكمن المشكلة التى أراها نفسية بالدرجة الأولى!.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق