اخبار اليوم تركيا تبدأ موسم شراء المستثمرين الأجانب (تحليل)

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عبر الشاعر الإيطالي وركواتو تاسو يوما ما عن إعجابه بالمجتمع التركي بقوله: «من حالف الأتراك سياسيا وعسكريا لا يخسر». يبدو أن القيادة السياسية في بلاد الأناضول توقفت عند هذه الإشادة التاريخية، وأرادت أن تضيف كلمة «واقتصاديا أيضاً». ويتبلور ذلك من خلال الخطوة الجديدة التي اتخذتها الحكومة التركية مؤخرا لتنشيط الاستثمار في البلاد عندما أعلنت خطتها لجذب العديد من المستثمرين الأجانب عن طريق منحهم الجنسية التركية بما يغازل طموحاتهم ويغذي رغبتهم في اقتحام السوق التركية، واستغلال ضخامتها وتنوعها وانفتاحها على الأسواق العالمية.

وهذه الخطوة من قبل الحكومة التركية ليست جديدة أو وليدة اللحظة، وإنما كانت قيد الدراسة منذ عدة أشهر قبل وقوع المحاولة الانقلابية في ١٥ يوليو الماضي، والتى أرجأت إجراءات الإعلان كل هذه الفترة.

وكان تقرير وكالة موديز التصنيف الائتماني الجمعة الماضية صنف تركيا في درجة «عالية المخاطر»، بما يهدد مسيرة الاقتصاد التركي، وأعطى حافزا قويا لحكومة رجب طيب أردوغان لمقاومة تأثيرات القرار السلبية على الرأى العام العالمي، خصوصا بعد انخفاض الأسهم التركية أكثر من ٤ ٪ في بداية أسبوع التداول فور صدور التقرير وتراجع الليرة التركية، ومن ثم سارع أردوغان ورجاله إلى التعلق بـ«عصا» المستثمر الأجنبى القادرة على ابتلاع أي أصوات تشكك في كفاءة وعافية اقتصاد الدولة من ناحية، وتبعث برسالة طمأنينة في الشارع التركي ليجدد المواطن ثقته في خطط «العدالة والتنمية» الإصلاحية من ناحية أخرى.

ولأن كارت الجنسية منطقة حساسة وشائكة في الثقافة التركية، قامت خطة الحكومة التركية على مرحلتين، تبدأ بمنح المستثمرين الأجانب إقامة لفترة معينة، ثم حصولهم على الجنسية بعد التأكد من عدم تورطهم في تصرفات سيئة خلال فترة إقامتهم، وقال وزير التنمية التركى لطفي آلوان أن وزارة الداخلية ستحدد الشروط المطلوبة لمنح الجنسية بأقرب وقت ممكن، موضحا أن الخطة الحكومية لن تكون محصورة على الأجانب الذين يتملكون العقارات في تركيا، وإنما ستشمل أيضاً مؤسسي المصانع أو الذي يعقدون شراكات في الاستثمارات بالمدن التركية.

وينظر المراقبون إلى هذا الإجراء السريع باعتباره طوق نجاة لعجلة الاقتصاد التركى لمواجهة تداعيات تقرير «موديز» المخيب للآمال إلى الحد الذي دفع يجيت بولوط مستشار الرئيس التركى إلى الاعتراف بأن التقرير قد ينتج عنه خروج مابين ٢ إلى ٣ مليارات دولار استثمارات من تركيا بعد صدوره، وقد يرفع تكلفة الاقتراض الخارجي لتركيا، علما بأن بنك «جيه بي مورجان» الأمريكى حذر في يوليو الماضى من أن مستثمرين قد يبيعون ما قيمته ١٠ مليارات دولار من السندات السيادية التركية وسندات الشركات التركية، إذا بلغ تصنيف أنقرة درجة «عالية المخاطر» في تقرير «موديز» الدولى.

وأمام هذا التحدى، اتهم الرئيس أردوغان ورئيس وزرائه المخلص بن على يلدريم «موديز» بالتحيز واستندا إلى أن الأتراك حولوا ١١ مليار دولار إلى الليرة التركية منذ محاولة انقلاب يوليو، مما «ضخ الدماء في شرايين الاقتصاد» على حد تعبيرهما، وأعلن يلدريم في كلمته الثلاثاء الماضى أمام أعضاء البرلمان من الحزب الحاكم العدالة والتنمية الحاكم أن الدولة تعمل على خفض فائدة قروض الإسكان، وتوظيف ١٥ ألف مدرس و١٠ آلاف ضابط شرطة بعد إجراءات التطهير القاسية.

ورغم استنكار رئيس الوزراء ووزير المالية التركى الأسبق محمد شيمشيك لقرار «موديز» بتخفيض تصنيف تركيا، مشيرا إلى سياسة بلاده الاقتصادية المعتمدة على تحسين أداء ضريبة الدخل، وتعديل قانون براءة الاختراع، وإقرار حزمة من التسهيلات التي تستقطب الاستثمارات المباشرة، إلا أنه أكد أن الاستقرار النفسي للمواطن التركي والمستثمر الأجنبي كفيل بأن يحافظ على عجلة الاستثمار في البلاد.

وبعيدا عن الدوائر السياسية والتصريحات الرسمية، أدلى الخبير الاقتصادى التركى فاتح تشكيرغا بشهادته في المشهد موضحا أن تركيا لن تتأثر كثيرا بذلك القرار، كما في السابق، وعلل ذلك بوجود دعائم اقتصادية راسخة لم تكن موجودة إبان أزمات التسعينات، والتي لعب إخفاض مؤسسات الاستثمار لتقييم تركيا الاستثمارى دورا كبيرا في نشوبها.

ورأى تشاكيرغا ضرورة تطبيق حزمة إصلاحات في المستقبل تحسبا لأى تفاقم محتمل، في مقدمتها إضفاء العقلانية على النفقات العامة وتخصيص حصص من الميزانية للمشروعات التشغيلية مثل المطارات والسكك الحديدية والمناطق الصناعية المنتظمة وغيرها، فضلا عن تسهيل الاقتراض من خلال تخفيف معاييره وتخفيض معدل الفائدة، وتيسير قانون جديد خاص بالأيدي العاملة المحلية والأجنبية، وصولا إلى رفع مستوى الادخار المحلي وتقليل التبيعة للمؤسسات المالية الخارجية، الأمر الذي تمكنت تركيا من تحقيقه منذ فترة من الزمن ولكنها بحاجة إلى التخلص من التبعية بشكل شبه كامل، وبقراءة هذه التوصيات تظل تركيا في حاجة دائمة إلى تنشيط اقتصادها بقرارات داخلية وذاتية لتعتمد في الأساس على مواردها ومصادرها ولاتنساق وراء شروط ومتطلبات موسم شراء المستثمرين الأجانب الذي بدأه أردوغان وفريقه!.

كل ما يتعلق بالاستثمار والاقتصاد والأسعار

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق