اخبار اليوم عساكر مصريين.. أقوى من الأفلام

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

واحد من جنودك يا سيدى

قطعوا يوم مؤتة منى اليدين

فاحتضنت لواءك بالمرفقين

واحتسبت لوجهك مستشهدى..

من قرية الإبراهيمية القبلية جاء محمد أيمن محمد السيد أحمد شويقة، «جندى مجند»، لا يملك من السلطة سوى رمزية الانتماء، لذلك لم يكن يدافع عن أى سلطة حين قرر أن يتطاير جسده مع الخطر، وكأنه قربان يذهب للموت ليمنح الحياة.

كان هناك جنوب العريش، مع قوة تطارد الإرهاب فى إحدى القرى، حين وجد نفسه مع الإرهابى المتمنطق بحزام ناسف وجهًا لوجه. للحظة يمكن أن تستغرق فى تفكير عميق، بين اثنين كل منهما أخذ قرار الموت فى وقت متقارب. حين تبددت حيل الإرهابى المُطارد، ولم يبق أمامه- وفق ما تَعلّم- سوى أن ينسف نفسه فى القوة التى تطارده، ربما يستمتع بالثأر وإحساس الانتقام وهو يذهب ومعه أرواح بضعة جنود، يراهم كما صوروا له مرتدين وكفارًا.

كانت حسابات الإرهابى غير حسابات محمد أيمن، فالأول خطط لحصد ما تيسر من أرواح بتفجير نفسه، والثانى خطط لحماية ما تيسر من أرواح حتى لو كان بأخذ كل حصيلة التفجير لنفسه.

الفارق بين أن تموت ليعيش غيرك، وأن تموت ليموت غيرك، هو الفارق بين إيمانين بينهما هوة باتساع السماء.

فى اللحظة التى اتخذ فيها محمد أيمن قرار الموت، وتقدم نحو الإرهابى الذى يستعد لنزع فتيل حزامه الناسف، واحتضنه، ربما فكر الإرهابى للحظة فيما يفعله هذا الشاب: لماذا يُقبل عليه غير مدبر، وهو الذى من المفترض أن يهرب من الموت «هكذا قالوا له بأن الكفار أكثر حرصًا على الحياة، لأنهم لا ينتظرون شيئا من الآخرة»، إذا كان هو يسمى نفسه استشهاديا كما قالوا له فى التنظيم، ويستعد، كما قيل له، لحور العين والمنزلة الكبرى من الشهادة، فما طبيعة إيمان هذا الشاب الذى لا يكترث بالموت، وما اعتقاده فى منزلته بعد مفارقة الحياة؟

لم يكن محمد أيمن جنديا «بقلب أعمى وهمة قعيدة، يحرس من يمنحه راتبه الشهرى وزيه الرسمى، لكنه إن يحن الموت فداء الوطن والعقيدة، فر من الميدان» أو كما وصفه أمل دنقل، على العكس كان من فصيلة مجاهدى «مؤتة» الذين لم تسقط منهم الراية بسقوط الذراع تلو الذراع، ليس من أجل سلطة تناثر لحمه فى الفضاء، لأن الأمر لو كان من أجل سلطة لشغل باله للحظات بالنظر لحاله، لما يحصل عليه فى مقابل ما هو مطلوب منه، واكتفى بـ«القوقعة الجوفاء» دون أى فعل فى قلب الخطر.

يعرف محمد أيمن أنه ليس جندى سلطة، وإنما جندى وطن، واحد من جنود السيد الشعب، يذود عنه فى ميدان معركة وهو يواجه عدوًّا يكره الحياة، ويرفع السلاح فى وجه المستقبل. أقام الدِّين بكل مقاصده التى تحمى الحياة، لذلك لم يهتز لحظة وهو فى طريقه لأبديته، الأرجح أنه فكر فى رفاق سلاحه الذين تركهم فى الخارج، ووجد أنهم مثله جنود وطن يجب ألا يضيعوا جملة، لأن شخصا حوَّل جسده إلى قنبلة. تذكر العيش والملح، وسهرات الشتاء البارد، وتبادل التعيين، وأكواب الشاى الساخنة فى نوبات الحراسة الليلية التى كانت تمثل له كل النعم، ومزاح الرفاق، والأحلام التى تبادلوها عن الحياة والوطن، والمستقبل الذى كانوا يرسمونه والعهود التى قطعوها بألا تكون الوحدة وفترة التجنيد هى كل ما يجمعهم. هؤلاء رفاق يستحقون أن يأخذ كل التفجير فى صدره، حتى لا ينال منهم، ربما يدخرهم لمعارك أخرى، ربما يقفون فى صفوف اللاحقين، ينتظر كلٌّ منهم دوره، لكن المؤكد أنهم سيجلبون انتصارا بلحومهم ودمائهم، وسيؤمِّنون أهله فى القرية وفى كل مصر من خطر تغلّب هذا الطاعون وتمكينه فى الأرض.

كان يقبض على جسد الإرهابى القنبلة بعزم وفى عقله كل الحكايات عن رفاقه وأهله الذين يستحقون موته، عن أجيال جديدة تستحق أن تنمو بعيدًا عن كل الأمراض التى أرهقت الحركة لعقود، وهذا الإرهابى بحزامه الناسف وعقله الذى أعطى الأمر بنزع فتيله، وما استقر فى هذا العقل، ناتج مجسد لهذا المرض.

وحين تفتت بعض لحمه وامتزج بلحم قاتله، كان لا يكترث إن كان العلم الحديث يمكن أن يُفرق بين اللحمين بتقنيات متطورة، لأن جسده سيعود قدر الإمكان ملفوفًا بالعلم ليحتضنه أهله، ويصلّوا عليه، ويواروه بجوار السابقين الطيبين من عائلته، والله يعلم أكثر من كل التقنيات الحديثة، وسيفصل بين روح كانت تصنع الموت وروح كانت تحمى الحياة، وبين لحم كالزَّبد ذهب جفاء، ولحم ذهب لينفع الناس ويترك لهم ما يمكث فى الأرض.

■ مقال سبق نشره وقت استشهاد البطل.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق