اخبار اليوم هل يعلم الرئيس أن معرض الكتاب مهدد بالفشل الذريع؟

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

( 1 )

لم يبق لمصر سوى الثقافة، رغم سوء حالها مقارنة بزمن مضى، ومع هذا لا تريد السلطة الحالية إلا أن تأتى عليها، فترديها قتيلة، كما أردت الكثير من ركائز قوتنا، ومنابع عزتنا، ومصدر فخرنا. ففى الوقت الذى قد تُنفق فيه الملايين على مؤتمرات ومهرجانات لا تزيد عن كونها دعاية سياسية عابرة، أشبه برغاء الصابون أو العهن المنفوش، يضن وزير الاستثمار على مصر بسبعة ملايين جنيه يريد تحصيلها من الهيئة المصرية العامة للكتاب لقاء تأجيرها أرض المعارض لإقامة معرض القاهرة الدولى للكتاب. وليس أمام الهيئة من سبيل، إن دفعت المبلغ من ميزانيتها المحدودة، سوى تحميل ما تدفعه على الناشرين، الذين يعانون، فى أيامنا هذه، من ارتفاع أسعار الورق والأحبار وتكلفة الشحن والنقل، وتراجع القراءة، بما قد يدفع ناشرين عربا ومصريين إلى الإحجام عن المشاركة فى المعرض لهذا العام، وهى فضيحة كبرى، لو كان وزير الاستثمار، أو رئيس الوزراء، أو رئيس الجمهورية، يعلمون.

إن القائمين على الثقافة فى مصر، وإن اختلف البعض معهم فى ملفات ومسارات أخرى، فإن الكل شاهد على أنهم يبذلون جهدا على قدر استطاعتهم فى سبيل إقناع من بيدهم مال الشعب أنه ليس من الكياسة ولا السياسة ولا الحصافة ولا الرشد أن تأخذ مصر هذا الاتجاه، فى وقت اهتمت فيه دول عربية أخرى بمعارض الكتب، وقدمت تسهيلات كثيرة للناشرين، واحتفت بهم، ودعتهم بإلحاح إلى الحضور والمشاركة مع كتبهم وأسماء دور نشرهم وسمعتهم. إن هؤلاء الناشرين يحضرون للقاهرة، رغم طول السفر وقلة العائد، لأنها القاهرة، ويتحملون فى سبيل ذلك الكثير مما يلاقونه خلال معرض الكتاب، إذ لا يساوى ما يبيعونه من كتب قدر ما كانوا يتوقعونه، كما أن المكان الذى يُنظم فيه المعرض بحاجة ماسة إلى ترتيب وتجهيز فى سبيل أن يكون معدا لمثل هذا الحدث المهم، لكنهم يتغاضون عن كل هذا، ويأتون مقبلين، تسبقهم كتبهم، بعقول مفتوحة، وصدور رحبة، لأن كلاً منهم يريد أن يقول بملء فيه: شاركت فى معرض القاهرة الدولى للكتاب.

إن الدول قاطبة باتت تفهم تماما أن ركائز القوة الناعمة، والثقافة فى قلبها، لا تقل أهمية عن ركائزها الصلبة من اقتصاد وسلاح وأرض وموقع جغرافى، ولذا فهى لا تبخل على الثقافة بما تريده، بل إن بعضها حول الثقافة إلى مصدر للدخل فى ظل عالم ينزع بقوة إلى تعزيز الصناعات الإبداعية، التى بات عائدها يزيد على عوائد بيع السلاح والسلع فى الولايات المتحدة الأمريكية مثلا. لقد قرأت فى الفترة الأخيرة استغاثات من رئيس اتحاد الناشرين العرب، الأستاذ محمد رشاد، وتصريحات للمسؤولين عن المؤسسات الثقافية المصرية، وتعليقات لكتاب وأدباء وخبراء وباحثين ومترجمين، كلها تستصرخ رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن يتدخلا لحل هذه المشكلة، وأتمنى أن يأتى هذا التدخل سريعا، قبل أن نجد الأيام قد تسربت من بين أصابعنا، وأزف موعد المعرض، دون إنهاء هذه العقبة، بل دون تصحيح هذا الخطأ، إن لم تكن الخطيئة.

(2)

من الضروى أن يتصدى المثقفون لقانون ازدراء الأديان، الذى يخالف الإسلام نفسه، لأنه دين دعا إلى حرية الاعتقاد وجعل، بنص القرآن الكريم، وظيفة الرسل هى الإبلاغ والنصيحة وليس الإكراه والإجبار، بل إن القرآن نفسه حوى رأى إبليس فى الله وخلقه وفى آدم ونسله. كما أنه يخالف الدستور الذى نص على حرية التفكير والاعتقاد بشكل واضح، لا لبس فيه.

لا بد أن نبحث عن صيغة للاعتراض على رفض اللجنة التشريعية بمجلس النواب إلغاء مادة ازدراء الأديان بنسبة كبيرة، لأنه موقف غير دستورى، بل يتعارض مع جوهر الأديان نفسها، توطئة لنظر البرلمان بعمومه لهذا القانون المعيب والمخزى. وفضلا عن كتابة المقالات وإبداء الآراء التى تصيغ هذا الاعتراض، لا بد من إصدار بيان يوقع عليه المثقفون، ثم يتولون شرح موقفهم للرأى العام فى وجه بعض المتشددين الذى يزعمون أن كل من يرفض هذا القانون يريد العبث بالدين.

فمن المعروف أنه طيلة تاريخ الأديان كانت السلطات الحاكمة تتفق مع المؤسسات الدينية ورجالها على رمى معارضى الحاكم بالمروق والفسق والخروج من الملة، وشق الصف وخرق إجماع المسلمين، ما يسهل اغتيالهم معنويا، ثم نزع الأنصار عنهم، وبعدها قتلهم، أما لو قيلت الحقيقة: هؤلاء متمردون على الاستبداد، خارجون على الظلم، ساعون إلى الإصلاح، فسيتعاطف الناس معهم، ويصعب على السلطة التخلص منهم. إنها اللعبة التى لا يمكن أن تنتهى إلا بإصلاح دينى لا لبس فيه، والتمييز بين الدين والسلطة السياسية، والانتقال إلى حكم مدنى، وثقافة مدنية حقيقية، وليست تلك الميوعة التى نعيشها فى المجالين الاجتماعى والسياسى.

( 3 )

ليس بوسعى أن أصدق أبدا ما يردده البعض من أقاويل حول الشاعر والكاتب الأستاذ على عطا من أنه يبتز بعض المسؤولين عن الثقافة فى مصر للحصول على منفعة شخصية. فالرجل، الذى أعرفه جيدا بل أعتز بزمالته وصداقته منذ ربع قرن تقريبا، يترفع عن هذا تماما، بل إن طبيعة عمله كمحرر ثقافى سواء فى وكالة أنباء الشرق الأوسط أو جريدة الحياة اللندنية تجعله يخدم الآخرين، من روائيين وشعراء وكتاب قصة ونقاد بل ومفكرين وكتاب فى السياسة والمجتمع والاقتصاد والسينما.. إلخ، عن طيب خاطر. فهو يعد الأخبار عما ينتجونه من كتب، ويتعرض لبعضها بالعرض والنقد، ويراجع مقالاتهم التى تُرسل إلى مختلف صفحات الرأى، وملاحق جريدة الحياة. وفى كل هذا هو لا ينحاز إلى أحد بعينه، بل يحتفى بكل جيد، أيا كان صاحبه، والدليل على هذا أن بعض الكتاب الشبان نشروا أولى قصصهم فى صحيفة الحياة. كما أن من يرسلون أعمالهم إلى هذه الجريدة لا يمثلون اتجاها واحدا فى الكتابة، فهم موزعون على ألوان الأدب، ومختلف الأيديولوجيات والانحيازات، ومتفاوتو الأعمار، وحجم الإنتاج فى الآداب والمعارف والفنون، بعضهم يعرفه على عطا وسبق أن قابله، وبعضهم لا يعرفه إنما يحكم عليه من نصه الأدبى أو مقاله. لقد تابعت بعض ما يتعرض له الرجل بمزيد من الأسى والأسف، إذ ليس فى هذا معركة فكرية نرحب بها أو ننتظر منها سيرا فى الطريق السليم، فلا ضير لو رأينا من يختلف مع تصورات وتوجهات على عطا أو حتى على ما ينتجه من شعر أو رواية له أوشكت على الصدور أو بعض كتاباته النقدية وعروضه للكتب وقصصه الإخبارية، أما أن ينزلق الحوار إلى مثل هذه الإحن وهذا الكيد، فهو ما لا يمكن الترحيب به، ولا استساغته أو تشجيعه، بل من الضرورى مواجهته، ودعوة أصحابه إلى الارتقاء بخلافهم واختلافهم، وهو ما أرجو أن يجرى فى قابل الأيام، لاسيما أن بعض المشتبكين مع على عطا لا أسعى لخصومة معهم، بل أتمنى لهم، على الدوام، الصحة التامة، والسلامة العامة، والتوفيق والسداد فيما يفكرون فيه، وما يكتبونه، وما يسعون إليه، ما دام مفيدا، وفيه منافع للناس.

(4)

«هذا الشيخ الجليل الذى كان يجلس على قهوة متاتيا، يوزع السعوط بيمناه، والثورة بيسراه».. هكذا قال الإمام محمد عبده عن المفكر الثائر جمال الدين الأفغانى، واضعا لافتة عريضة عن حالة زخرت بها مصر فى نهاية القرن التاسع عشر، وكان أحد المقاهى الشهيرة وقتها، يقع فى قلبها، صانعا مكانا أليفا يلتقى فيه قادة الرأى والفكر والسياسة، وتلك الألفة انعكست فى حديث رواه عنه، فوجدنا رجالا مثل عبدالله النديم، وسعد زغلول، وطه حسين، وأديب إسحق، وعباس العقاد، ومحمود سامى البارودى، وأحمد شوقى، وحافظ إبراهيم، وعبدالسلام المويلحى، وعبدالعزيز البشرى، وإبراهيم اللقانى، وعبدالقادر المازنى، والحبيب بورقيبة، يأتون على ذكر هذا المقهى التاريخى. ليس مقهى متاتيا هو الوحيد، الذى لعب هذا الدور، بل هناك مقاه عديدة فى مصر والعالم العربى، بل والعالم أجمع، كانت لها أياد بيضاء على الثقافة والمثقفين، سواء كانت فى العواصم أو المدن الإقليمية الصغرى.

كل هذا تعرض له الكاتب والباحث الأستاذ كامل رحومة فى كتاب بديع عن المقاهى الثقافية فى العالم سيصدر عن دار الدلتا للنشر قريبا، استمعت بقراءة مخطوطته، وأدركت من سطوره أن ما جذب مؤلفه العميق النابه إلى هذا الموضوع المهم هو احتفاؤه، بل تتيمه بالدور الذى لعبه مقهى الأديب عبدالمعطى المسيرى، عم المفكر الكبير الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيرى، فى دمنهور، وهى المدينة العريقة التى يقطنها كامل رحومة، ويحبها حبا جما.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق