اخبار اليوم د.حسن عباس زكى يصف شيخه

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كان يصلى الفجر ويذكر الله ثم يفطر ويذهب إلى وزارة الاقتصاد التى يرأسها سيراً على قدميه، كان أول من يذهب إلى الوزارة وآخر من يتركها، عرف الموظفون تسامحه ورحمته وعفوه رغم همّته العالية وعلمه العظيم وجديته التى لا حدود لها، فكان بعضهم يتأخر عن عمله، فى أحد الأيام تأخر معظم الموظفين فى وزارته، غاظه ذلك فذهب إلى دفتر الحضور والانصراف ووقع نيابة عنهم جميعاً ثم كتب أمام التوقيع «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ».

رغم أنه كان وزيراً وعالماً بارزاً فى الاقتصاد إلا أنه كان من أهل الله الكبار الأتقياء الأخفياء الذين يندر أن يجود الزمان بمثلهم، كان أمة فى شخص رجل، جامعاً من خصال الخير ما لا يحصى علماً وعملاً وخلقاً وأدباً وتواضعاً وسكينة ورفعة وكرماً وعبادة وتجرداً، يعطى ولا يأخذ، يؤثر الآخرين على نفسه وبنفسه.

لا أدرى كيف تسلل حب الرجل إلى قلبى منذ أن قرأت له وعنه، وسمعت له وعنه، أحببته بقوة رغم أن ظروفى كلها حالت دون لقائه، فالحب رباط بين القلوب لا يعترف بالحدود. كانت خزائن مصر ملك يمينه، إلا أنه ترك وزارة الاقتصاد كما دخلها، يعد عبر الأجيال رمزاً للعفة والعفاف، ولولا عمله كمستشار اقتصادى لأمير الكويت ثم فى الإمارات لعاش ومات فقيراً، يذكرنى بيوسف الصديق عليه السلام الذى كان يملك خزائن الأرض ويبيت جائعاً صوماً وزهداً وورعاً.

صاحبنا من الصوفية الكبار الذين يفهمون التصوف على حقيقته وليس دروشة أو هزات فارغة، أو ثيابا مرقعة مع عقل تافه وقلب فارغ وأوقات ضائعة بلا عمل أو علم أو كسب، مع تملق رخيص لذوى الجاه والمال.

لقد أعاد الرجل لعصرنا سير الجنيد، إبراهيم بن أدهم، المحاسبى، الغزالى القديم والجديد، علماء الصوفية العظام.

قلت لنفسى يوماً: ترى من ذا الذى صاغ هذه الشخصية الرائعة، فوجدته الشيخ عبدالجليل قاسم الذى رافقه صاحبنا أربعين عاماً يأخذ عنه وينهل من علمه وأدبه. لقد أفاض د.حسن عباس زكى فى وصف شيخه فى كتابه «مذاقات فى عالم التصوف» فقال: كان الشيخ عبدالجليل يتعبد الزمان الكثير بالرغم مما يعانيه من آلام، فإذا حان وقت الصلاة أو قيام الليل قام وكأنه ليس به شىء.

كنت أشفق عليه من كثرة تردد الناس عليه، حيث يفدون إليه بلا موعد فى المسجد أو المنزل فى أوقات مناسبة أو غير مناسبة فيلقاهم أو ينصحهم أو يحل مشاكلهم أو يرد على أسئلتهم.

وكان يتسم بصدق العبودية، يغلب عليه من كلامه التدقيق والتحقيق والسير على المنهاج الشرعى القويم، لا يحجبه الخلق عن الحق (سبحانه). وإنى لأشهد فى السنوات الطويلة التى عاشرته فيها، أننى لم أسمع منه شطحة أو كلمة واحدة عن الحقائق تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله، قد غلب على قلبه التوحيد والحق علماً وخلقاً وسلوكاً وحالاً. لا يكترث بالدنيا مقبلة أو معرضة، وهو لطيف العشرة غاية فى اللطف والحنان، بعيد عن الاستعلاء على الغير بأفكاره، لا يفرض رأيه على من ينصحه، كان دائم النصح يحفظ عهد الحق على الخلق، لا يكترث بالحظوظ الدنيوية ولا يلقى لها بالاً، راضياً بما قسم له، دائم التطهر من لوثة الوهم أو الشهرة التى تحجب العبد عن ربه.

كان يأمر مريديه بألا يحبوا إلا الله وأن يخلصوا نيتهم فى كل حركة وسكنة لله وحده، وأن يسلموا الأقدار لله، وكان يحذرهم من الشرك الخفى وهو الرياء لأن من كان الحق مشهوده فى قلبه فلا يرى سواه ليرائيه. وكان يقول إن الله رب القلوب، فهو لا ينظر إلى صورنا ولكن إلى قلوبنا، وكل ما يعمله العبد وهو غافل فهو ساقط، وكان ينصح إخوانه بأن يعتبر كل واحد منهم أنه مسؤول عن الكل.

وكان يعلّمهم أن دوام النعمة لا تتم إلا إذا نسبها العبد إلى ربه وشكره عليها بوضعها فى محلها اللائق بها وتحقيق ذاتيتها بأن يعطى منها ويحسن.

وكان الشيخ جامعاً لعلم الظاهر والباطن فالعقل يقود علم الظاهر والقلب يقود علم الباطن ويشع على العقل بنور الشريعة والحقيقة معاً.

وكان الشيخ يكرر «من عرف نفسه عرف ربه»، وكان حريصاً على التربية بالكيف لا بالكم، وبالمدد لا بالعدد، وكان يوصى بالذكر وخاصته عند اشتغال الناس بمعاشاتهم أو شهواتهم وخاصة قبل الفجر فإنها من أعظم أسباب الفتح والظفر.

رحم الله العلامة د.حسن الذى ملك خزائن مصر فعف عنها، وتصدق بمعظم ماله وكان من أعظم المحسنين، ورحم الله شيوخه وتلامذته أجمعين، فأمثالهم تبكى عليهم السماء والأرض عند موتهم.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق