اخر الاخبار حلايب... جُـرحٌ لـه إيْـلامُ

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة
لن يُجدي التحايل ولا غضّ الطرف، أو حتى دفن الرؤوس في الرمال، حول ذلك الملف الذي قالت أول صفحة فيه إنّ مثلث حلايب، وهو منطقة في أقصى الشمال الشرقي للسودان، سوداني مائة في المائة، فإذا بمصر تنازع السودانَ في ملكيته منذ عام 1957. وحين أقول مصر، فإنّي لا أميّز بين الرأي الرسميّ أو الرأي الإعلاميّ الحرّ، أو رأي الشارع المصري، فذلك التماهي سِـمَة في "الشخصية المصرية"، تلك التي ترى بلادها "أمّ الدنيا" جميعها، لا أمّ سكان أرضها فحسب، غير أنّ العواطف ينبغي أن تُلجم لو أتيح للمتنازعين النظر الموضوعي، وللانفعالات أن تُزاح جانباً لتهيئة مساحات التصافي، وللتخابث المخابراتي أن ينحني لدبلوماسيةٍ صادقةٍ حكيمة. القواسم المشتركة بين الأشقاء لن تعطي سانحة للحَدّاد ليصنع ما يفرق بينهم.
(2)
ثمّة قضايا تختلف حولها الشعوب، وتتباين الرؤى حولها، وتغذّيها محاولات المعالجة الفقيرة، من دون بحثٍ عميق، وتستقوي بالانفعال العاطفي، من دون إعمال العقل والتزوّد بالحكمة.
يرى المطلع على التاريخ طبيعة التنازع حول مدينة القدس. اتصاله بذلك الصراع الطويل الدائر عقوداً طويلة في الشرق الأوسط، الصراع المحتدم مع إسرائيل حول ملف انتقال العاصمة من تل أبيب إلى القدس، هو من الملفات التي لم تترك لتعالجها المفاوضات الدبلوماسية المحضة، أو أن تبتّ فيه قرارات دولية.
التعقيد المتصل بهذا الصراع شأن يتصل بالشعوب قبل الحكومات، وبالوجدان الشعبي قبل الوجدان الإداري. ثمّة بعدٌ "حضاري" يصعب تجاوزه من طرفي الصراع، ويكاد أن يشكّل رمزيةً تعكس الصراع التاريخي الذي استدام واستطال أكثر مما يجب في منطقة الشرق الأوسط.
سيرى مَن يتابع الملف، في أوضح رؤية، أنّ إسرائيل تتوّسل إلى جذور العقيدة التلمودية لتبرّر مزاعمها بأن القدس ليست هي عاصمة الدولة الإسرائيلية فحسب، بل هي عاصمة اليهود أجمعين. تستقوي إسرائيل في صراعها مع العرب بالعاطفة الدينية، وتتوسّل بسطوتها إلى كلّ يهود العالم، مثلما نشهد سطوة اللوبي اليهوديّ في الانتخابات الأميركية. هكذا يرصد المجتمع الدولي كيف يتدحرج خلافٌ سياسي، ليصير خلافاً "حضارياً" بامتياز. هل يملك مجلس الأمن أو المحكمة الدولية حلاً هنا؟ سيظل السؤال بلا إجابة.
لكن، هل نرى في الصراع حول مثلث حلايب وجهاً لصراعٍ حضاري، أو مرجعية عقائدية، تبرّر استدامة هذا الصراع منذ استقلال السودان عام 1956 وحتى العقد الثاني في الألفية الثالثة، من دون اختراقٍ يكسر هذه الاستدامة بحلٍ يقبل به الطرفان، تتفضّل به هيئات دولية؟ لست متفائلاً بأيّ اختراق يأتي من خارج حلبة النزاع.
(3)
أرى، في حقيقة الأمر، وجهين لهذا الخلاف المحتدم حول رقعة أرضٍ هي مثلث حلايب،
"يجب أن لا يقصر النظر على التنازع حول مثلث حلايب على تفاصيله ووقائعه الراهنة"
يسكنها بضعة آلاف من البشر، ويتنازعها طرفان، أفصلهما أدناه، وأحصر نظري لتقريب الصورة في التجربة الأفريقية دون سواها.
ثمّة وجهٌ لمثل هذه النزاعات يتصل بتداعيات التجربة الكولونيالية التي ما فتئت تستنبط بؤراً في الحدود بين دولة وأخرى، كأنّما قُصد من إهمالها أن تكون مدعاةً لتدخلات مستقبلية للقوى الكولونيالية نفسها.
وهنالك أيضا وجهٌ لا يغيب عن النظر، ويتصل بالتنافس حول الموارد والثروات في الرقعة التي يدور حولها التنازع، وهو وجهٌ قد بدأته، في أحايين كثيرة، القوى الكولونيالية وفق منافساتها، وأيضاً وفق حساباتها المستقبلية. وقد كتب على دول أفريقية عديدة استقلت في حقبة الحرب الباردة أن تتصاعد بينها النزاعات، بل وتتطوّر إلى صراعاتٍ مسلحة.
لعلّ النظر في أمثلة قريبة يجعل الصورة أكثر وضوحاً، بما يعيّن النظر الموضوعي لقضية مثلث حلايب التي تنازع مصر فيها السودان.
وفي الأسطر التالية، أفصّل باختصار، ثلاث حالات لأمثلة في بلدان أفريقية، عانت من صراعاتٍ احتدّت وتفاقمت، وهي، في الأصل، من الإرث الكولونيالي التاريخيّ: مثلث اللادو ومثلث أليمي وقطاع أوزو.
(4)
يقع مثلث اللادو بين السودان والكونغو وأوغندا، وأراه قنبلة موقوتة أهملت في الحدود المشتركة بين البلدان الثلاثة. عرفت منطقة اللادو بغناها بالأفيال، وهو ما شكّل عصب تجارة العاج. عندما طال التنازع حولها أواخر القرن التاسع عشر، حسم أمرها أوائل القرن العشرين، بعد سيطرة بريطانيا على الأمور في السودان، بين مديرية بحر الغزال (في دولة جنوب السودان الحالية) ومديرية غرب النيل في شمال غرب أوغندا. آل الجزء الشمالي للسودان والجنوبي لأوغندا وأبعد الكونغو من النزاع.
من تداعيات تلك التسوية المثيرة للانتباه أنّ عيدي أمين دادا، الذي حكم أوغندا من 1971 وإلى 1979، دار لغط كثير حول إن كان يحسب سودانياً أم أوغنديا، إذ القبيلة التي انحدر منها تتمدّد على مثلث اللادو المشار إليه.
(5)
بؤرة التنازع الثانية تقع رقعتها على الحدود السودانية الكينية الإثيوبية. إن أمعنت النظر ملياً
"الأفضل تشكيل لجنة تنظر بعمقٍ لأوجه النزاع واستصحاب حالات النزاعات الشبيهة والقريبة التي خلّفتها التجارب الكولونيالية القاسية في القارة الأفريقية، واجتراح حلولٍ تأخذ بالحكمة، مثلما تمنح للإخوة تقديرها"
في الواقع الجغرافي بين كينيا والسودان الجنوبي (وقد صار جزءاً من دولة جنوب السودان بعد عام 2011)، سترى مثلث أليمي على الحدود المشتركة بين البلدين، اللذين كانا تحت السيطرة الكولونيالية البريطانية، وقد أهمل على ذات النحو، كأنّ نية مبيتة قصدت إبقاءه قنبلة موقوتة تضبط حراكها وتمسك خيوطها، ذات القوى الكولونيالية التي صاغت صكوك الاستقلال لكلٍّ من السودان وكينيا.
لقد ظلّ ملف أليمي عرضة لشدّ وجذب بين البلدين وبصمتٍ إثيوبي لافت، خلال الحرب الدائرة في جنوب السودان بين 1983 و2005. ذلك ملف قابل للاشتعال بين كينيا ودولة جنوب السودان، باقٍ على رفّ الانتظار، حتى تهدأ أحوال الصراع الدائر في جوبا. وقد كتب كاتب أميركي، اسمه جيمس ويزلي راوليس، رواية خيالية بعنوان "أرض الميعاد"، مسرحها تلك الرقعة التي تتنازع حولها السودان وكينيا، وسمّاها "جمهورية أليمي". أتمنى أن يطلع عليها صديقي السفير، علي يوسف، الذي أعلنته نيروبي، في ثمانينيات القرن الماضي، وقت أن كان دبلوماسياً في سفارة السودان في كينيا، "شخصاً غير مرغوبٍ" في بقائه على أرضها، لأنه أثار مسألة استحقاق السودان السيادي على تلك الرقعة التي تدّعيها كينيا ملكاً لها.
(6)
يتصل المثال الثالث بقطاع أوزو الحدودي، المتنازع حوله في ثمانينيات القرن الماضي، بين ليبيا وتشاد. بقيت هذه البؤرة الحدودية معلّقةً بين البلدين عقوداً طويلة فيما القوى الكولونيالية المعنية، وهي إيطاليا وفرنسا، لم يحسم اتفاقهما، ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين، الوضع النهائي لقطاع أوزو في الحدود الليبية التشادية، حسماً نهائياً. سعى الرئيس الليبي، أوائل سبعينيات القرن الماضي، إلى فرض السيادة الليبية على القطاع الحدودي، عبر تدخلاتٍ وإغراءاتٍ وتسوياتٍ غامضة، حتى وصلت قضية التنازع إلى محكمة العدل الدولية، أواخر تسعينيات القرن الماضي.
(7)
يجب أن لا نقصر النظر على التنازع الماثل حول مثلث حلايب بين مصر والسودان، على تفاصيله ووقائعه السياسية الراهنة بينهما. الأوفق عندي أن يلجأ البلدان إلى تشكيل لجنة مشتركة علمية عليا، تضم نفراً من المختصين في شؤون الحدود، ومن الخبراء الدبلوماسيين ومن علماء التاريخ، تكون مهمتهم النظر بعمقٍ لأوجه النزاع واستصحاب حالات النزاعات الشبيهة والقريبة التي خلّفتها التجارب الكولونيالية القاسية في القارة الأفريقية، واجتراح حلولٍ تأخذ بالحكمة، مثلما تمنح للإخوة تقديرها.
مثل تلك اللجنة، التي أقترحها هنا، وقد لا تكون الكلمة الأخيرة، لكنها ستكون الأكثر تأهيلاً لرفع الرؤية الثاقبة للقيادات السياسية، والأقدر على تسليط الإضاءات الموضوعية المطلوبة على قضية حلايب، فيتسنّى عند خاتمة التدارس بالحكمة المرتجاة، الوصول إلى تسويةٍ تحفظ الحقوق لكلِّ طرف، وفي إطار الأخوة الإقليمية، وبما يجنب الطرفين اللجوء إلى شكاوى عند أطراف دولية، أو التقاضي لدى هيئات تحكيم أجنبية.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق