اخر الاخبار عن ضحايا الاستبداد في تونس

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة
وأنت تتابع جلسات الاستماع إلى ضحايا الاستبداد التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة في تونس( 17-18 نوفمبر / تشرين الثاني 2016)، تتبيّن أنّ القمع في زمن الدولة البوليسية في البلاد التونسية كان أعدل الأشياء قسمةً بين الناس، فالآلة القامعة لم تميّز بين امرأة ورجل، ولم تفرّق بين شابٍ وشيخ، ولا بين يساري وليبرالي، ولا بين إسلامي وقومي، ولا بين نَقابي وحقوقي، فالجميع سواء في المعاناة، والجميع سواء في التعذيب والتهميش، ومكابدة الظلم المنهجي المسلّط عليهم من أعوان الدولة الشمولية. فعلى مدى عقود بعد الاستقلال، وقبل الثورة، كان يكفي أن تنقد سياسات النظام الحاكم، أو تفكّر خارج النمط، لتصبح مشبوها. أمّا إذا انخرطت في جمعيّة حقوقية، أو انتميت إلى حزب سياسي معارض، فتصبح مغضوباً عليك، بما يعنيه هذا النعت من استتباعات المراقبة الإدارية والملاحقة الأمنية، وإمكان السجن والتعرّض إلى التنكيل والهرسلة، وقد يبلغ الأمر درجة القتل أو النفي. حتّى وجد المعارض نفسه مخيّراً بين الصمت أو الموت، وبين الاعتقال أو الهروب من البلاد، فضلاً عن المنع من العمل ومن السفر، ومن النجاح في مناظرات الانتداب في الوظيفة العمومية، فكان النظام المستبدّ على عهد الحبيب بورقيبة وخلفه زين العابدين بن علي يمارس عنصريةً على المواطنين، قوامها التمييز بينهم على أساس هويّتهم السياسية، فيهبهم ما يشاء أو يمنعهم ما يشاء، بحسب ولائهم للحزب الحاكم أو عدمه. وكانت أجهزة الدولة القامعة تتفنّن في محاصرة المعارضين، وكتم أصواتهم، بطرق شتّى. ونجحت، ولو إلى حين، في تأمين سيرورة القمع والتكتّم على القمع في آن، فوظّفت وسائل الإعلام لبثّ خطاب دعائي، مغرض يُشيْطن المعارضين في الداخل والخارج، واستعانت بجهاز الأمن، لفبركة تهم مجانية خطيرة ضدّهم، وتوسّلت بالقضاء لإصدار أحكام قاسيةٍ في شأنهم، واشترت همم بعض الأطبّاء، لإخفاء جريمة التعذيب، وتأمين فرار الجلاّدين من العقاب.
وظنّ ملاحظون، بعد الثورة مباشرة، أنّ الدولة الجديدة ستلتفت إلى ضحايا الاستبداد وتنصفهم،
"ما أدلى به الضحايا مهِمّ جدّا في إعادة كتابة تاريخ البلاد خارج البلاط، على نحو يُنصف الجميع"
لكنّ الأمر لم يتغيّر كثيراً على مدى سنوات من قيام الربيع التونسي، فقد ظلّ هؤلاء مهمّشين، منسيين، مكتومة أصواتهم، مكلومة قلوبهم، ولم يستردّوا حقوقهم، بل صعد إلى المشهد أعلام الثورة المضادّة من إعلاميين وسياسيين، انصرفوا إلى تبييض الدكتاتورية، وإلى تيئيس الناس من الثورة، وجدّوا في تلميع صورة الدكتاتور الهارب، وأمعنوا في الاستخفاف بتضحيات المناضلين، والمزايدة عليهم، والحال أنّهم مهّدوا الدرب إلى الحرّية، وعمّدوا الطريق إلى الثورة بعذاباتهم، وأعمارهم، ودمائهم. ولم يتسنّ للضحايا الصدح بأصواتهم، والتعبير عن آلامهم في العلن، وأمام العالم، إلا مع قيام هيئة الحقيقة والكرامة، وتنظيم جلسات الاستماع التاريخية، فباح كلّ حاضرٍ من الضحايا بمأساته، وكشف الجميع عن عنف الدولة القامعة وغطرستها واستهانتها بكرامة الإنسان وحقوقه وكينونته. فأخبر جيلبار النقاش بما لقيه من أصناف التعذيب المريعة على يد الجلاّد (التعليق في وضع الدجاجة، بيت الصابون...)، وأفاد شقيق نبيل بركاتي بما عاناه أخوه من تنكيلٍ في مركز الإيقاف، بلغ درجة اقتلاع الأظافر وكسر الأضراس والأطراف، حتى مات تحت التعذيب. وكذا كان مصير رشيد الشماخي وفيصل بركات وكمال المطماطي الذين طُعنوا في شبابهم، وعانوا ما لا يبلغه الوصف من أشكال التنكيل الوحشي نفسياً وجسدياً، حتى فاضت أرواحهم تحت سياط الجلاّدين، ومنهم مـَن غاب غيبةً كبرى بشكل قسري، ما أورث في أفئدة ذويهم حيرةً كبرى ولوعةً مُرّة، حتّى إنّ أمنية أمّ المطماطي عقوداً هي أن تجد جثمان ابنها، وتجعل له قبراً مثل بقية الموتى. وأخبر جمال بركات بأنه أصبح مصاباً برُهاب البوليس، نتيجة ما عاشه من هرسلة في أقبية وزارة الداخلية زمن بن علي، وقال إنّ فيصل قربع مات مجنوناً من فرط ما كابده من تعذيب، وأفادت وريدة الهمّامية بأنّ تهميش مناطق الظل وحرمانها من المرافق الأساسية سوط عذاب مسلّط على الأهالي، وصرّحت بسمة بلعي بأنّ الدولة القامعة سرقت منها كل شيء حتّى أحلامها. كانت تحلم أن يكون لها طفل، مثل نساء العالم، ولكن لم يعد في مقدورها ذلك بعد سنوات
"الإشكال ماثلٌ في أنّ الضحايا حضروا في حين غاب المسؤولون عن تعذيبهم"
الاعتقال والإرباك والتعذيب. وكانت تمضي سحابة يومها في مراجعة مركز الشرطة لتوقّع على حضورها. أمّا زوجة بشير العبيدي، فكانت تجوب سجون البلاد من أقصاها إلى أقصاها، لتزور لبضع دقائق رفيق دربها وابنها، وكان البوليس السياسي يعدّ عليها أنفاسها ويراقبها في كُلّ خطوةٍ، حتّى نغّص عليها حياتها، وكذا كان الشأن بالنسبة إلى كلّ أسر الضحايا الذين عانوا ويلات التدمير والتهجير، والمداهمات الليلية والمحاصرة الأمنية، والمنع من الاسترزاق والسفر.
كشفت الشهادات عن تهافت كذبة الدولة التقدمية زمن الحبيب بورقيبة، وكذبة دولة القانون والمؤسسات على عهد خلفه، وأبانت حجم انتهاك الإنسان في جمهورية الخوف. وما أدلى به الضحايا مهِمّ جدّا في إعادة كتابة تاريخ البلاد خارج البلاط، على نحو يُنصف الجميع. لكن الإشكال ماثلٌ في أنّ الضحايا حضروا في حين غاب المسؤولون عن تعذيبهم، بما يدلّ على تمادي حالة الهروب من الاعتذار والإفلات من العقاب. كما غابت الرئاسات الثلاث غيبة كبرى، وكان يُتوقّع حضورها، ولو رمزيّاً، في تلك اللحظة التاريخية، لتُعبّر عن إسنادها الضحايا وتضامنها معهم، وعن إدانتها الانتهاكات التي ارتكبتها أجهزة الدولة في حق المواطنين. والواقع أنّ من المهمّ بمكان اليوم التمكين للعدالة الانتقالية، وعدم المزايدة على هيئة الحقيقة والكرامة، لتقوم بدورها في تمكين الضحايا من استئناف حياتهم والاندماج في المجتمع، والتعويض لهم مادّياً ومعنوياً، عمّا لحق بهم من ضرر، عسى أن تندمل الجراح. ومن المهمّ أيضاً سنّ قانون في تجريم تبييض الدكتاتورية، حتّى تقف حركة الشد إلى الخلف، وجهود تزييف التاريخ وقلب الحقائق.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق