اخر الاخبار نهاية "العقد الاجتماعي" لدولة 23 يوليو في مصر

0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة
اتخذت الحكومة المصرية، في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عدّة قرارات وإجراءات اقتصادية، مثّلت صدمة كبيرة للرأي العام، تمّ بموجبها تخفيض قيمة الجنيه المصري وتعويمه أمام الدولار، وترك سعر الصرف يتحرّك وفق حركة السوق، كما تمّ رفع الدعم عن المحروقات بنسبة تقترب من 30%، وخرجت تصريحات حكومية متواترة، عن إجراءات أخرى في الطريق، تتعلّق بزيادة قيمة تذكرة "المترو" والقطارات، وتنقية قواعد بيانات البطاقات التموينية، من أجل وصول الدعم إلى مستحقيه، بالإضافة إلى الانتقال التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي.
كان التعويم مطلباً دائماً لصندوق النقد الدولي منذ عقود طويلة، من أجل تطبيق "الوصفة" التي يسميها الصندوق برنامج "الإصلاح الاقتصادي" التي تهدف، في مجملها، إلى إضفاء الطابع "النيوليبرالي" على الاقتصاد المصري، عبر تقليص دور الدولة، وبيع القطاع العام أو"الخصخصة" وتعزيز حرية السوق، وتمهيد الطريق أمام الشركات الدولية الكبرى، وتمكينها من الهيمنة على وسائل الإنتاج، والتحكّم في مقاليد الاقتصاد الوطني.
لهذه القرارات تداعيات اقتصادية واجتماعية كبيرة عديدة، فهي من شأنها إعادة صياغة الخريطة الاجتماعية والطبقية في مصر، حيث ستمتدّ آثارها إلى القدرات الشرائية والاستهلاكية للشريحة العليا من الطبقة الوسطى، فكيف الحال بالبقية الباقية من الطبقة الوسطى، فضلاً عن آثارها على الفقراء والكادحين؟ وكان قرار واحد من تلك القرارات كفيلاً بالتأثير على حركة أسعار السلع الأساسية في الأسواق، فكيف الحال بها وقد اجتمعت في يوم واحد؟
تمثّل قرارات 3 نوفمبر حدثاً مفصلياً، يحمل دلالات مهمة، تستحقّ التوّقف والتحليل كونها تضع حدّاً فاصلاً لسياقٍ امتدّ عقوداً طويلة، فبعد استتباب الوضع لـ"الضبّاط الأحرار" عقب نجاح انقلابهم العسكري، قامت دولة 23 يوليو 1952 بتجريف كل البنى السياسية والمجتمعية للحقبة شبه الليبرالية، وعقدت اتفاقاً ضمنياً غير مكتوب مع المجتمع المصري، كان بمثابة
"تُعد قرارت 3 نوفمبر بمثابة شهادة وفاة للعقد الاجتماعي القديم الذي أرسته دولة 23 يوليو 1952"
(العقد الاجتماعي) الذي قامت على أساسه، وكان عنوانه "السياسة مقابل الخبر"، قام على تنازل المواطنين عن ممارسة حقوقهم السياسية والدستورية، في مقابل قيام الدولة بواجباتها الاقتصادية والاجتماعية، فبعد قرار إلغاء الأحزاب السياسية و"تأميم" العمل السياسي والحزبي، سعى النظام الجديد إلى ملء هذا الفراغ باعتماد نظام الحزب الواحد، أو التأسيس الفوقي لـ "التنظيم الشمولي الأوحد" الذي قيل إنه الإطار الجامع لطبقات المجتمع وفئاته كافة، فتمّت مصادرة الممارسة الديمقراطية، وتأميم المجال العام بشكل كامل، مع سيادة شعارات "تعبوية" في الفضاء الإعلامي، تدور حول مبدأ "الاصطفاف الوطني"، مثل "الاتحاد والنظام والعمل"، و"تحالف قوى الشعب العامل"، و"تذويب الفوارق بين الطبقات". وفي المقابل، تعهّدت الدولة بالالتزام بسياسة دعم السلع الأساسية، وتوفيرها للمواطنين، مثل الخبز، والسكّر، والزيت، والأرز، إلى جانب دعم المحروقات، وخدمات الكهرباء والمياه، إلى جانب التزام الدولة بتوظيف الخريجين في الجهاز الحكومي وشركات القطاع العام.
وفي الحقبة الساداتية وبعد تطبيق سياسة "الانفتاح"، ارتكبت الدولة عدّة خروق واضحة لهذا الاتفاق، ونكثت جزئياً عن الوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها في المجال الاقتصادي، مع "رتوش" ديكورية جديدة على المشهد السياسي بظهور تعددّية شكلية، وتكرّر الأمر نفسه في الحقبة المباركية، وإن ازدادت الخروق، حينذاك، بشكل أوسع بعد تحالف السلطة مع الثروة، ووصول رجال الأعمال إلى سدّة السلطة، إلا أنه، في المجمل، لم تنقض الدولة هذا الاتفاق، أو تلغيه كلياً، حيث ظلّت سياسة الدعم الحكومي قائمة.
تكمن المفارقة الطريفة في الازدواجية العجيبة في المفاهيم التي تتعامل بها الدولة الآن مع المجاليْن السياسي والاقتصادي، عبر اعتماد صيغة "تلفيقية"، تجمع الدولة فيها بين "الحُسنييْن"، فهي، في المجال الاقتصادي، تتخلّى عن واجباتها الاقتصادية، وعن الالتزامات التي قطعتها على نفسها، بذريعة عدم القدرة على الاستمرار في سياسة الدعم، وأن هذه الإجراءات "النيوليبرالية" لا بدّ منها من أجل "الإصلاح الاقتصادي"، وأن عصر الدعم قد ولّى وانتهى في دول العالم منذ زمن بعيد (!)، على الرغم من أنّ للدولة دورا اقتصاديا موجودا في أعتى الليبراليات، يضمن توفير الخدمات التعليمية، والصحية، وتحقيق حدّ أدنى من العدالة الاجتماعية، ووجود شبكة اجتماعية لحماية الفقراء والمستضعفين، ويضمن قيام نظام ضريبي، يحققّ التوزيع العادل للثروة، ووجود منظومة رقابية فعّالة تشجّع المنافسة، وتمنع الاحتكار.
وفي المجال السياسي، تصرّ الدولة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والتوّقف عند عصر "الزعيم الأوحد"، أو (ولي النعم)، والنظام السياسي الذي يتمركز حول شخص رئيس الدولة
"تصرّ الدولة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والتوّقف عند عصر "الزعيم الأوحد"
الذي يكون مصدر السلطات، ورأس كل المؤسسات، وتصرّ على إغلاق المجال العام، وفرض الوصاية على الشعب (الذي لا يعرف مصلحته)، ويعاني من الأميّة والجهل، وتصرّ على ترديد الخطاب القديم نفسه بضرورة "الاصطفاف الوطني"، وأنّ الوقت لم يحن بعد لممارسة الديمقراطية، على الرغم من أن موجات التحوّل الديمقراطي ضربت دولاً كثيرة من العالم الثالث، في أميركا اللاتينية، وشرق أوروبا، وآسيا، وحتى بعض دول أفريقيا (!).
وتغفل هذه الصيغة العجيبة وجود ارتباط وثيق بين السياسي والاقتصادي، حيث إن من شأن الممارسة الديمقراطية، وفتح أبواب المشاركة، ومناخ الحريات، تفعيل قواعد الشفافية التي تهدف إلى المحاسبة، والمساءلة، ومحاربة الفساد، إلى جانب تمكين المجتمع المدني من ممارسة دوره التوعوي، والرقابي، من أجل توعية المستهلكين بحقوقهم، وكيفية مواجهة الاستغلال، والجشع، وتحقيق الرقابة على الأسواق، وهو يأتي دوراً تكميلياً لدور الدولة، بعكس الحال مع مناخ القمع وإغلاق المجال العام، وما يصاحبه من تعتيم وحجب للمعلومات، والذي يصبّ، في النهاية، لصالح الفساد.
تُعد قرارت الثالث من نوفمبر بمثابة (شهادة وفاة) للعقد الاجتماعي القديم، الذي أرسته دولة 23 يوليو 1952، والذي انتهى عمره الافتراضي، ومات إكلينيكياً منذ زمن بعيد، نظراً لنكوث الدولة عن الوفاء بالتزاماتها، بسبب حالة الوهن التي دبّت في أوصال مؤسساتها، وأوصلتها إلى حالة جزئية متفاوتة من الفشل الوظيفي، والانهيار المؤسسي. لم يعد العلاج بـ "المُسكّنات" يجدي نفعاً معها، وباتت في أمس الحاجة للتدخّل "الجراحي"، من أجل إعادة هيكلتها بشكل كامل، ما يعني أنّ المشكلة تجاوزت محاولات ترقيع الثوب القديم المُهترئ إلى ضرورة تغيير الجسد المُتيبّس المُتهالِك، عبر تأسيس عقد اجتماعي جديد، يقوم على التوازن بين الدولة والمجتمع، وفتح أبواب المشاركة، والممارسة الديمقراطية، ويُرسي أسس دولة القانون، وقِيَم المحاسبة، والمساءلة، والاعتراف بالخطأ، فمن العبث محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أو الارتهان لصورٍ تاريخية عتيقة، باتت في ذمّة التاريخ (!).

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق